الاثنين، 28 يوليو 2014

خطبة عيد الفطر المبارك





بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة عيد الفطر المبارك
يلقيها الإمام الصادق المهدي
بساحة مسجد الهجرة بودنوباوي
1 شوال 1435هـ الموافق 28 يوليو 2014م
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر...
الحمد لله والصلاة على الحبيب محمد وآله وصحبه ومن والاه،
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز
قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) .
كل الأديان المنزلة تتفق على خمسة مباديء: التوحيد لله، النبوة المبلغة لرسالته، مكارم الأخلاق، العدل بين الناس، الحرية كمبرر للجزاء، والجزاء الأخروي على أساس (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) . رسالة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم انفردت بين هذه الرسالات بخمس خصال:
• أن النبي محمد هو الوحيد بين الرسل الذي لا شك في تاريخيته، فالآخرون تختلف حولهم الروايات.
• أن الكتاب الذي جاء به أي القرآن هو الوحيد المحفوظ بنصه الأصلي كاملاً بين الكتب المقدسة. قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
• أنه أرسل للناس كافة، وقد كانوا يرسلون لأقوامهم. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ)
• أن حجته برهانية وليست خارقية.
• أنه خاتم المرسلين.
خلق الله الإنسان خليفة في الأرض، وبعد ختم الرسالات صار الإنسان مؤهلاً لهذا الاستخلاف بتأهيل روحي يمكنه بالإلهام والبشائر من نور يمشي به، وتأهيل عقلي يمكنه من تدبر مقاصد الوحي. لذلك صارت كل مباديء وأحكام الإسلام ذات جذور روحية وذات مقاصد عقلية.
فللصيام مثلاً وظيفة روحية، ووظيفة تربوية، ووظيفة صحية، واجتماعية، وزكاة الفطر لها وظيفة روحية هي التزكية، ووظيفة اجتماعية هي التكافل بين الناس، وهي واجبة على كل فرد ذكر أو أنثى، كبير أو صغير، وهي اليوم 14 جنيهاً ويجب إخراجها قبل صلاة العيد لينعم بها مستحقوها.
وللعيد وظيفة روحية هي الصلاة الجامعة والمظاهرة الإيمانية التي يحتشد لها الناس، ووظيفة اجتماعية بما تتيح من مصافاة بين الناس وزيارات، ومشاركة كل الأجيال في فرحة العيد.
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز
مع كل الفضائل المتعلقة برسالة الإسلام فإن واقع أمتنا لا يدل على أنها مدركة لمقاصد الشريعة، فنجد بلداننا أقل الناس التزاماً بكرامة الإنسان، وأقلهم التزاماً بالمشاركة في ولاية الأمر، وأقلهم ممارسة للعدالة الاجتماعية.
وتجدنا نغضب من تحامل بعض المستشرقين على الإسلام بينما يقوم كثير منا بأعمال أكثر إساءة للإسلام من تحامل بعض المستشرقين، فنجد حاكماً يعلن تطبيق الشريعة مركزاً على الحدود العقابية دون اهتمام بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، ونجد حركة تعلن إقامة نظام إسلامي رابطة بين شعار الإٍسلام وممارسة الاستبداد والفساد. وفي هذا الصدد كم تضار سمعة الإسلام بفعل مسلمين أسروا 200 طفلة في نيجريا؟ ومع تهنئة مريم يحي بالسلامة أتساءل كم تضار سمعة الإسلام بفعل مسلمين حكموا بجلد وإعدام سيدة حبلى في آخر الشهور؟ ومثل هذه التصرفات كثير ما يفعلها مسلمون في عالم واقعه صار يقيس الأمور بمنظومة حقوق الإنسان وحرية الأديان، وهي قيم استجدت على العالم ولكنها مثبتة في نصوص الوحي الإسلامي.
إن سلوك كثير من المسلمين مسيء للإسلام لذلك قال الأستاذ محمد أسد: الحمد لله أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين. والدليل الحاضر على هذا ما تقوم به داعش الآن بالعراق من طرد للمسيحيين واخذ الجزية منهم والتمييز ضد النساء والتضييق عليهن، وبيعة القهر التي تتناقض مع أسس الخلافة في الإسلام/ وهي قائمة على الشورى والعدل والإيفاء بالعهود والمساواة والكرامة الإنسانية. قال عمر (رض): (إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها، مَن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايَع هو ولا الذي بايعَه تغرَّة أن يُقتَلا) . فالخلافة والبيعة لها أسس ومباديء تضبطها ولا ينبغي لكل شخص التسمي بها بدون اتخاذ ضوابطها الشرعية.
 
وشاعت الطرفة عن الشيخ محمد عبده الذي زار بعض بلاد الغرب فوجد ممارسة لكرامة الإنسان ولحريته والعدالة فقال عندهم إسلام ولا مسلمين بينما عندنا مسلمين ولا إسلام.
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز.
لا شك أن الإسلام اليوم هو القوة الثقافية الأولى بدليل تمدده في كل القارات، ولا شك أنه في بلاد المسلمين الحائز على رأس المال الاجتماعي الأكبر بدليل أن أية ممارسة للحرية تأتي بمكاسب لمن يرفعون شعارات إسلامية.
ومع ذلك فإن أوطان الأمة الإسلامية اليوم تواجه استقطابات حادة توشك أن تفجرها من داخلها وتجعلها ميادين لحروب أهلية مستمرة. وقد قمنا بالعديد من المبادرات والمجهودات لإنهاء تلك الاستقطابات وتقديم حلول تحقق التوافق بين أهل القبلة، كان آخرها مشروع ميثاق لأهل القبلة، لتفويت الفرصة على أعداء الأمة المراهنين على تفجيرها عبر الخلافات الداخلية.
هنالك سبعة تقاطعات تنخر في جسم أمتنا ما لم تعالج بالوعي والحكمة فإنها سوف تمزق الأمة وتجعلها أكثر عرضة للتسلط الأجنبي.
هذه التقاطعات هي:
• الإسلامي/ العلماني.
• السني/ الشيعي.
• الملي بين الإسلام والأديان الأخرى.
• داخل السنة بين الأخواني والسلفي والصوفي والحركي.
• القومي بين القومية الأكبر والقوميات الأخرى التي تعايشها.
• الاجتماعي بين الأثرياء والفقراء.
• كيفية التعامل مع الآخر الدولي.
أطراف هذه التقاطعات إذا هم تخندقوا في مواقفهم وأصر كل فريق على صواب موقفه فإن هذا الاستقطاب سوف يدفع بالجميع إلى حروب أهلية بدأت فعلاً وسوف تزيد.
في يناير من هذا العام دعانا مركز القدس للدراسات السياسية لمائدة مستديرة جمعت ممثلين لكل الطيف الفكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط. في تلك المائدة قدمنا مشروع مراجعات واجبة على كل الأطراف على أن يتجه الجميع لميثاق توافقي، وجد هذا المشروع تجاوباً.
منتدى الوسطية العالمي يستعد للدعوة لمؤتمر لممثلي كافة الأطراف للاتفاق على تشخيص الحالة واقتراح خريطة طريق للنجاة.
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز
إن ما يحدث في منطقتنا يؤثر في المحيط الدولي ويتأثر به، فظاهرة التطرف والعنف المصاحب له أي الإرهاب ظاهرة نسبت زوراً للإسلام بينما أهم حركات التطرف والعنف المصاحب له نشأت بمساهمة دولية قوية مثلا: حركة القاعدة وحركة داعش، هذا لا يعني أن هذه الحركات مجرد عميلة للآخرين، ولكن كان لهم دور في بدايتها ثم شبت عن الطوق وصارت لها أهدافها الخاصة بها.
ينبغي عقد مؤتمر دولي ليسمع الآخرون الخطاب الإسلامي الصحيح، وليدركوا مدى مساهمتهم في صنع التطرف والعنف، وللاتفاق على خطة دولية لإزالة المظالم التي ترفد التطرف والغلو والعنت، فإن عجزنا فإن منطقتنا سوف تدفع الثمن. كما أن الغلو والعنف المصاحب له قد تمحور من المركز الواحد، إلى الشبكة، ثم إلى دويلات، وفي كل الحالات فإنه نشاط يتجاوز الحدود القطرية، إنه عنف بلا حدود، وسوف تدفع الدول الأخرى الثمن كذلك في شكل إرهاب بلا حدود، وهجرة غير قانونية بلا حدود، وعرقلة للاقتصاد العالمي. ههنا أيضاً يرجى عقد مؤتمر دولي لتشخيص الحالة والاتفاق على خطة مجدية.
إن استخلاف الإنسان في الأرض، وعالمية الرسالة الإسلامية، وعوامل الاتصالات والمواصلات التي أنتجت العولمة عوامل تلزمنا أن نحيط بكل هذه الظروف وأن نساهم بدورنا في النجاة على سنة (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ومقولة النبي صلى الله عليه وسلم: " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ " .
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين.
 
الخطبة الثانية
الله أكبر.. الله أكبر .. الله أكبر
الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على الحبيب محمد وآله وصحبه مع التسليم، وبعد-
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز
قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) .
السودان اليوم يعاني فرقة فكرية واسعة، واستقطاباً سياسياً حاداً، ووضعاً اقتصادياً مزرياً وضائقة معيشية غير مسبوقة، وحالة أمنية مضطربة، وعزلة إقليمية ودولية.
المؤشرات على سوء الحال في البلاد صادمة للمواطنين ما وصل بالمعاناة وضيق المعيشة درجة لا تطاق، لذلك لا يستغرب أن صار الوطن طارداً ففي الأشهر الستة الماضية من هذا العام هاجر من البلاد 55 ألف شخص من بينهم ألف طبيب وألف أستاذ جامعي، نزيف تواصل ويستمر. وها هي الأمطار تكشف سوء الاستعداد للموسم في مناطق الزراعة وسوء الاستعداد لها في المدن.
أما المؤشرات العالمية السالبة فقد كثرت وأهمها: المؤشرات الخمسة الآتية:
• القرار الوحيد الذي أصدره مجلس الأمن في شأن السودان قبل نظام الإنقاذ هو القرار (112) المتخذ عام 1956م المتعلق بقبول عضوية السودان في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.ولكن في عهد النظام الحالي أصدر مجلس الأمن (61) قراراً ضد حكومة السودان أغلبها تحت الفصل السابع أي باعتبار النظام يشكل خطراً على الأمن والسلم العالميين.
• وحل السودان في المرتبة السادسة قبل الأخيرة في الدول الأكثر فساداً في العالم وفقاً لمؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2013م.
• مؤشر الدول الفاشلة تصدر هذا المؤشر سنوياً مجلة فورين بولسي بالتعاون مع صندوق السلام، وفقاً للمؤشر لسنة 2013م فالسودان هو ثالث أفشل دولة في العالم بعد الصومال والكنغو الديمقراطية.
• مؤشر حرية الإعلام: هذا المؤشر تصدره منظمة مراسلون بلا حدود سنوياً جاء السودان للعام 2014م في المرتبة 172 من بين 180 دولة شملها المؤشر.
• مؤشر الابتكار العالمي وهو مؤشر يستند على "5" ركائز هي: المؤسسات، رأس المال البشري، البحث العلمي، البنية التحتية، ومدى تطور السوق. يصدر هذا المؤشر جامعة كورينل الأمريكية بالتعاون مع المعهد الأوربي لإدارة الأعمال والوايبو (المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية التابعة للأمم المتحدة). صدر بيان بهذا المؤشر في يوليو عام 2014م وتناول حالة 143 دولة احتل السودان المركز الأخير بينها.
استمرار النظام معناه أن نفس السياسات ونفس الأشخاص الذين حكموا البلاد ربع قرن من الزمان وأوصلوها لهذه الحالة يستمرون وربما أجروا انتخابات لا للتناوب السلمي على السلطة ولكن على سنة طغاة الشرق الأوسط. انتخابات يحصل بموجبها الحزب الحاكم على دعم انتخابي للمواصلة، فهو يسيطر بلا منازع على أجهزة الدولة، وهو مسيطر بلا منازع على الموارد المالية، وهو المسيطر بلا منازع على أجهزة الإعلام، ومهما كانت إخفاقاته فالانتخابات كما في سوريا الأسد، وعراق صدام، ومصر مبارك، ويمن علي عبد الله، وتونس بن علي، حالات وصفها أحمد مطر:
الكابوس أمامي قائم.
قمْ من نومكَ
لست بنائم.
ليس، إذن، كابوساً هذا
بل أنت ترى وجه الحاكم
أية انتخابات في مثل هذه الظروف إجراء عبثي لا يخوضه عاقل، لأنه يعمق أزمة السلطة ويواصل أزمات الوطن.
الإطاحة بالنظام بالعمل المسلح ممكنة ولكن من مخاطرها استنساخ السيناريو السوري إن أخفقت وإقامة دكتاتورية أخرى إن نجحت.
الانتفاضة الشعبية واردة ولكنها تتطلب أمرين حركة شعبية واسعة وإضراب سياسي وحسم عسكري في المرحلة الأخيرة. حسب ما حدث في تاريخ السودان وفي دول الربيع العربي هذا التكامل ممكن ولكنه أقرب إلى الصدفة منه إلى الخطة.
مبادرة الوثبة قبل ستة أشهر بشرت بإمكانية مخرج قومي لا يستثنى أحداً ولا يسيطر عليه أحد، ولكن عوامل كثيرة قعدت بالمبادرة، المبادرة لا مستقبل لها ما لم تتوافر لها استحقاقات.
الخيار البديل هو أن تتفق كل القوى المطالبة بنظام جديد يحقق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل، اتفاق توقع عليه القوى السياسية والمدنية والمسلحة يحدد معالم النظام الجديد المنشود يكفل بناء الوطن في ظل التنوع المتحد.
يستطيع النظام الحاكم أن يتجاوب مع هذا المطلب الشعبي عن طريق تشريع قانون للوفاق الوطني يحدد الهدف منه وآليات بلوغه، وقانون للسلام العادل الشامل يحدد الهدف المنشود وآلياته بلوغه.
نحن ماضون في العمل على إبرام الاتفاق الجامع لكل القوى المطالبة بالنظام الجديد فإن تجاوب النظام فإنه سوف يكرر تجربة جنوب أفريقيا أو أسبانيا و عدد من دول أمريكا اللاتينية.
قلت في مقام آخر إن نجاح السودانيين في تحقيق هذا العبور سيحقق المطالب الشعبية في السلام والديمقراطية وسوف يجد تجاوباً من الأسرة الدولية.
هنالك عوائق تشل حركة السودان الآن أهمها الدين الخارجي والعقوبات الاقتصادية، وتجميد العون الاقتصادي الأوربي، وملاحقات المحكمة الجنائية الدولية. لا يستطيع عاقل أن يستخف بهذه العوائق، ولا يستطيع عاقل أن يستهين بضررها على السودان، ولا ترجى إزالتها مع استمرار أوضاع السودان على ما هي عليه الآن.
ولكن قال بعض الناس إن السودان لا يحتاج لحوافز دولية.
أيها الغافلون: السودان الآن تحت رقابة دولية غير مسبوقة في تاريخه بموجب قرارات مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وبموجب وجود أكثر من ثلاثين ألف جندي أجنبي، وبموجب اعتماد عدد كبير من سكان السودان على الإغاثة الدولية. رحم الله أمرءاً عرف قدر نفسه، فكفوا عن المكابرة الفارغة وأدركوا واقع الحال. لا سبيل لإزالة تلك العوائق في ظل استمرار أوضاع البلاد على ما هي عليه الآن.
أقول لكل من يتحدث عن الحوار الوطني هنالك فيصل للتفرقة بين الانخراط في المؤتمر الوطني والعمل للخلاص الوطني: ما لم يتوافر للحوار استحقاقاته وهي كفالة الحريات، وإقامة حكومة قومية مؤقتة، والالتزام بقومية عملية السلام وإجراء الانتخابات العامة الحرة في ظل هذه الحكومة القومية إنما هو عملية انخراط في النظام على سنة التوالي السيء السمعة لا العمل المخلص للخلاص الوطني.
ختاماً:
أحيي صمود أهلنا في غزة وبسالة تصديهم للعدوان.
وأقول إنه ما دام هناك احتلال وحصار فالمقاومة حق مشروع وحتى إذا تخلى عنها المناضلون الحاليون فسوف يبرز آخرون. إن على الأمم المتحدة التي أنشأت إسرائيل أن تحقق سلاماً يكفل لأهل فلسطين حقوقهم وإلا فالاقتتال سوف يستمر.
حسن أن أعلن الرئيس محمود عباس تأييده للمقاومة، وأرجو أن يوقع على نظام روما والمحكمة الجنائية الدولية ليقدم شكوى ضد إسرائيل على ما ترتكب من جرائم الحرب. كما نرجو أن تواصل مصر اهتمامها بوقف إطلاق النار على أن تشترك في ذلك فصائل المقاومة كافة وأن تساهم في فك الحصار بفتح معبر رفح فتحاً مستمراً.
أحيي صمود أهل غزة البطولي، وأتألم للمجازر التي يتعرضون لها، رحم الله الشهداء وعجل بشفاء الجرحى، وأقول إن الواجب على الأمة العربية والإسلامية بل الإنسانية كافة دعمهم بكل المستطاع، ومهما كانت المعاناة فالنصر آتٍ إن شاء الله.
أطلقت نداء الترحيب بمبادرة عمي وأخي السيد أحمد واتفقت معه أن يركز المسعى لجمع شمل الأسرة والوصال الاجتماعي بين كافة أفراد الكيان الأنصاري والسياسي. الخطوات التالية تتوقف على احترام المؤسسية القائمة والالتحاق بها وفق ضوابطها المؤسسية، ولكن للأسف توهم بعض المتآمرين الذين فشلوا في اختراق الكيان بالتآمر مع أعدائه ثم فشلوا في التآمر على الكيان من خارج الوطن والآن يحاولون استغلال نداء الوفاق لحبك مؤامرة جديدة تتبعناها فوجدناها من مادة السم القديم لذلك أقول إن مسيرتنا الفكرية والسياسية والتنظيمية في كيان الأنصار وحزب الأمة ناجحة وبالمقارنة مع غيرها راجحة، فمن أراد الالتحاق وقدم البرهان على الالتزام بالديمقراطية والمؤسسية فمرحباً بهم وإلا كونوا لأنفسكم حزباً بما ترون من الأسماء.
وأوجه نداء حاراً لأهلنا في دارفور وفي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، نحن متألمون لما عانيتم وتعانون من ويلات الحرب والنزوح واللجوء، وسوف نبذل جهداً مضاعفاً لتحقيق السلام العادل الشامل، ونوجه نداءً للقبائل المشتبكة في اقتتال قبلي بالتصالح، وسنرسل وفودا تساهم معكم في رأب الصدع.
أحبابي وأخواني، اعفو عني فإني عاف عن من ساءني.
اللهم يا جليلا ليس في الكون قهر لغيره، ويا كريماً ليس في الكون يد لسواه، ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا، واهدنا واهد أبناءنا وبناتنا، والطف بالسودان واصرف عنه كيد الغلاة والطغاة والغزاة، وبارك جهادنا المدني ليحقق للبلاد حكماً راشداً وسلاماً عادلاً شاملاً، واعد العيد علينا والبلاد في أمن وأمان وحكم راشد وسلام عادل شامل. آمين.
والسلام عليكم

السبت، 19 يوليو 2014

خطبة الجمعة 20 رمضان 1435م الموافق 18 يوليو 2014م التي ألقاها الحبيب محمد الحوار محمد بمسجد الإمام عبد الرحمن بود نوباوي


فترة الإنقاذ خصماً على الأخلاق السودانية ولا حصانه لفاسد و ظالم و قاتل

الزكاة لهذ العام 14 جنية و الفدية 12 جنية.

على الأمة الإسلامية التوحد لرد الظلم الصهيوني و على الأمم المتحدة و مجلس الامن حماية الفلسطينيين وتحمل مسئولية إبادتهم

 فخر الدين آدم موسى  - ودنوباوي

 قال خطيب مسجد الإمام عبد الرحمن بودنوباوي  أن ما فعلته الإنقاذ خلال خمس و عشرون عام كان خصماً على الأخلاق  اتي عُرف بها الشعب السوداني وغيبت المفاهيم الإسلامية  فالإسلام دين الشورى و العدل و المساواة و الحرية و الكرامة الإنسانية . وأحلت  محلها معاني  الإستبداد و الظلم و التمييز بين المواطنين سياسياً  و جهوياً و أنتهكت الكرامة الإنسانية وصادرت الحريات  . وقطع بأن ذلك  يتناقض تماماً مع مقاصد الدين الإسلامي.

وقال ان  المخرج من هذا الواقع المرير و المستقبل القاتم و تجاوز سلبيات الماضي  بالرجوع إلى الحق و اشار لامكانية تحقيقة بتوفر  إرادة صادقة و عزيمة قوية و نية مخلصة خاصة من المؤتمر الوطني وباستجابتة الكاملة لمطالب الشعب المشروعة  المتمثلة في الحرية و الكرامة الإنسانية و السلام الشامل العادل و التحول الديمقراطي و أطلاق سراح  جميع المعتقلين و سيادة حكم القانون على الجميع ومحاسبة المفسدين  فلا حصانة  لأحد فسد وظلم وقتل. جاء ذلك في خطبة الجمعةالتي ألقاها امس  بمسجد الإمام عبد الرحمن بودنوباوي . وحددت هيئة شئون الأنصار زكاة الفطر بمبلغ 14 جنية للفرد و الفدية بمبلغ 12 جنية .وقدمت هيئة شئون الانصار الدعوة لتناول الأفطار يوم الجمعة المقبلة إحياءاً لسنة اللإفطار مع المساكين التي أستنها الإمام عبد الرحمن طيب الله ثراه . 

أدناه نص الخطبة


خطبة الجمعة 20 رمضان 1435م الموافق 18 يوليو 2014م التي ألقاها الحبيب محمد الحوار محمد بمسجد الإمام عبد الرحمن بود نوباوي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم اني أحمدك و أثني عليك الحمد يا جليل الذات ويا عظيم الكرم و أشكرك شكر عبد معترف بتقصيره في طاعتك يا ذا الإحسان و النعم و اسلك بحمدك القديم أن تصلى وتسلم على نبيك الكريم و آله ذوي القلب السليم و أن تعلوا لنا في رضاءك الهمم وأن تفغر لنا جميع ما اقترفناه من الذنب و اللم. قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

أحبابي في الله و أخواني في الوطن العزيز

إن ديننا الإسلام جاءت عباداته متنوعه فمنها ما يتمثل في القول كاالدعاء و ذكر الله و الدعوة الي الخير و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر وغير ذلك  ومنها ما يتجلى في الفعل بدنياً كالصلاة  أو مالياً كالزكاة أو جامعاً بينهما كالحج و الجهاد في سبيل الله ومنها ما ليس قولاً ولا فعلاً ولكنه كف و إمتناع فقط كالصوم – لقد فرض الله الصيام في رمضان وما فرضه إلا لاسرار عليا وحكم بالغة ندرك منها ما ندرك ونجهل منها ما نجهل ويكشف الزمان و العلم بعضها ما يكشف .ومن هذه الحكم أن الصوم جاء لتقوية الروح فالإنسان مكون من جسد ورح فالجسد مطالب من جنس عالمه السفلي و الروح مطالب من جنس عالمها العلوي فإذا أخضع الإنسان أشواق روحه لمطالب جسده وحكم غريزته في عقله استحال من ملاك رحيم إلى حيوان ذميم  - اما إذا عرف قيمة نفسه و أدرك أسرار الله فيه و حكّم جانبه السماوي في جانبه الأرضي صار ملاكاً او خيراً من الملاك قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُم خَيرُ البَرِيَّةِ) ومن هنا أيها الأحباب جاء الصوم ليحرر الإنسان من سلطان غرائزه و ينطلق من سجن جسده و يتغلب على نزعات شهواته و يتحكم في مظاهر حيوانيته و يتشبه بالملائكة فليس بمستغرب أن يرتقى روح الصائم و يتقرب من الملاء الأعلى و يقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح  و يدعو ربه فيستجيب له و يناديه و يقول لبيك عبدي لبيك وفي هذا المعني يقول النبي صل الله  عليه و سلم (ثلاثة لا تُرَدّ دَعوتهم - وذَكَر منهم الصائم حَـتَّى يُفْطِر).

 أن الحكم التي نستفيدها من الصوم أنه دورة تربوية في الصبر و تحرير الإرادة . فالمقصد من الصوم يكمن في الأرتقاء بتهذيب النفس و تربيتها على مزيد من الخشية لله تعالى  في السر و العلن إذ لا رقيب على الصائم سوى ربه سبحانه فإذا أحس بالجوع و العطش أو تراءت له الملذات و الشهوات  صبر عليها و أحجم عن تناولها و الإنسياق ورائها و تسامى عنها بدافع إيمانه العميق  وشعوره القوى بأن الله يراه و يؤكد المعنى قوله تعالى في الحديث القدسي (يترك طعامه و شرابه و شهوته من أجلي, الصيام لي وأنا أجزي به) وهذا إذا حرر المسلم أرادته و تعود الصبر و الإمتناع عن الطعام و الشراب و نحوها من المباحات من أجل الله تعالى فهو حري أن يتحكم في أرادته في كل زمان و كل مكان و يبتعد عن المحرمات و التجاوزات المتصلة بحقوق الله تعالى أو حقوق الناس فيبتعد عن الظلم الفردي و الإجتماعي فلا يكذب ولا يشتم و لا يغش و لا يرتشي و لا يتعتدى ولا يفسد بين الناس ولا يقصر فيما أوكل إليه من واجبات .

 أحبابي في الله من حكم شهر رمضان انه شهر بذل و تضحية و جهاد – لقد أنتشرعند البعض عادة الكسل و الخمول في شهر رمضان فصاروا بتقاعسون فيه  عن أداء بعض وأجباتهم الوظيفية و المعيشية و الإجتماعية وربما الدينية بحجة أنهم صائمون و كان الله تعالى فرض علينا الصوم لنتوانى فيه عن اداء الواجبات وفعل المكرمات و بناء المجتمعات وما دراء هولاء أن الأمة الإسلامية عبر عصورها المديدة سطرت أعز و اكرم أيات المجد و النصر في الشهر العظيم ومن ذلك أن النبي صل الله عليه و سلم خاض معركة بدر الكبرى في رمضان وفتح مكة في رمضان وبالمناسبة ان هذا اليوم العشرون من رمضان يصادف فتح مكة وقد فُتحت سلماً وكانت معركة عين جالوت ضد المغول المعتدين في شهر رمضان وكذلك معركة حطين و أباء الأولى و التى أنتصر فيها مهدى الله علىه السلام كانت في السابع عشر من رمضان . وهكذا كان رمضان شعار غيّر حياة المسلمين الذين أبلوا بلاءً حسناً وهم يخوضون معارك الكرامة دفاعاً عن دينهم و حماية لمقدساتهم و حقوقهم و إثبات لوجودهم .

 أحبابي في الله ان من الدروس التي نستفيدها من الصوم أنه يعتبر وسيلة فعالة في حمل النفس على الإلتزام و الإنضباط وتنمية المشاعر الجماعية لديها و تعويدها على ذلك و تحفيذها على أحترام النظام العام وعدم تجاوزه حتى لو في ممارسة حقوقها الفطرية الشخصية الأكل و الشرب و الإتصال الجنسي بين الزوجين وفي تحديد الأوقات التي يمتنع فيها عن ذلك _ إذ في هذا إشارة إلى انه ليس للإنسان أن يفعل ما يريد متى ما شاء ولو كان هذا مباحاً او حقاً من حقوقه الخاصة بل عليه أن يضحي بحقوقه و رغباته الشخصية لتتكامل مسيرته  مع مسيرة المجتمع الذي ينتمي اليه و يأمن فيه نفسه و ماله و أهله . و إلى هذه المعنى يشير قوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) فلنتأمل هذه الأية بقوله  تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) فحدود الله عز وجل يراد فيها ما يعبر عنه اليوم في الأنظمة المعاصرة بحق المجتمع أوالنظام العام . كما يظهر هذا  الإنضباط أثناء الصوم فيما دعا إليه الإسلام من ممارسة السلم الإجتماعي و حسن التعايش مع الأخرين وذلك بالإلتزام بأداب الصيام  وكف اللسان و الأعضاء و الجوارح عما لا ينبغي من فحش القول و سوء الفعل و إنحراف الممارسة بل و مجاراة الأخرين في الرد علي جهالتهم و أعتدائهم  قال (ص) (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم  إني صائم )

أحبابي في الله من حكم الصوم أنه سبيل للتراحم و التكافل حيث أنه يولد الإحساس المرهف في الصائم نفسه و يبعث فيه مزيد من الشفقة و الرحمة وتفقد البائسين و المحرومين و الذين ضاقت بهم سبل الحياة  الكريمة و العيش المناسب من غذاء و كساء و سكن و أسباب أخري يجدون فيها الأمن و الطمائنينة و هذه ما أشار إليه الحديث القائل (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) لقد كان ديدن الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم و عادته انه أجود ما يكون في رمضان كانه الريح المرسل من كثرة هباته و صدقاته و تفقده للمحتاجين و المعوزين . أن عبادة الصوم تعزز قيم الرحمة و التكافل و رعاية الضعفاء و لهذا سن الإمام عبد الرحمن طيب الله ثراه سُنة الإفطار مع المساكين إمتثالاً لقوله صل الله عليه و سلم  ( من أفطر صائماً فله مثل أجره ) فالجمعة القادمة هي جمعة أفطار المساكين و الجميع مدعوّن للإفطار في مسجد الإمام عبد الرحمن بودنوباوي . أحبابي في لله  ومن باب  التذكير فإن زكاة الفطر سُنة سنها الرسول عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم تطهيراً لما يبدر من الصائم من لغو و قدرها 14 جنية و الفدية قدرها 12 جنية  ولعله من المعلوم لديكم ايها الأحباب ان بهذا المسجد خلوة بها العشرت من طلاب القرأن ومهم من مستحقى الزكاة و الفدية لذا تناشدكم لجنة الخلوة بدفع زكاة الفطر لهولاء وهي تساهم في إطعامهم و كساءهم و علاجهم و توجد بالمسجد صناديق مخصصة لهذا الغرض .

 أحبابي في الله من مزايا هذا الشهر أن الحبيب المصطفى سن فيه الإعتكاف و الإعتكاف هو المكوث في المسجد لفترة محدودة بنية التقرب لله تعالى ، روى مالك أن رسول الله صل الله عليه و سلم قال : من أراد ان يعتكف فليعتكف في العشر الأواخر ) وربما كانت الحكمة أيها الأحباب في كون الإعتكاف في الثلث الأخير من هذا الشهر العظيم حتى تتهيا نفسياً قبل ذلك للنقلة النوعية وما فيها من تضحية بأشغال الدنيا و ما فيها و اعمالها و مكاسبها ، الإعتكاف لا يخلو من صلاة الجماعة و تلاوة القران و التفرغ لصلاة النافلة فضلاً عن التهجد و الذكر و الدعا و الخلو مع النفس و محاسبتها و زيادة الأقبال على الله تعالى بعيداً عن مشاغل الدنيا و ملذاتها ، انه إعلا روحى وتصعيد ديني يعود المعتكف بصفاء مع النفس وطهر في القلب وطاقات معنوية عالية تنير له طريق مسيرته في مستقبل حياته .

أحبابي في الله

أن المكافئات العظيمة و الثمرات الأخيرة التي حفل بها شهر رمضان ليلة القدر  ففيها نزل القرأن وفيها الجزاء العاجل و الدعاء المستجاب  وهي خير من ألف شهر و ألف شهر تساوي 83 سنة تنزل فيها الملائكة ومعهم جبريل روح القدس عليه السلام ودعاؤهم جميعاً حتى مطلع الفجر ( السلام من الله تعالى على عباده القائميين الراكعين الساجدين العابدين ) وفيها قال (ص) تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأوخر في رمضان أي ليالي واحد وعشرون و ثلاث  و خمس و سبع و تسع و عشرون  وقال (ص) في فضل ليلة القدر ( من قام ليلة القدر إيماناً و أحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ) فهذه أيام نفحات وبعض معالم هذا الشهر الكريم الذي لم يفرضه تعذيباً للبشر ولا إنتقاماً ، كيف و ان الله أختتم أيه الصوم بقوله (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وإنما شرعه الله ايقاظاً للروح و تصحيحاً للجسد وتقوية للإرادة وتعويداً على الصبر و تعريفاً بالنعمة وتربية لمشاعر الرحمة و تدريباً على كمال التسليم لله رب العالمين . أنه شهر جد و عمل وكفاح و جهاد و إعداد و تربية  وتكافل و تعاون و صحة و عافية و سمو و مواساة وأمن وأمان و وقاية من المفاسد و الجرائم وفوق ذلك و بعده كرم الالهي وسوق خيري في هذا الشهر العظيم يربح فيه الجميع حساً ومعنى وأفراداً و مجتمعات قال صل الله عليه و سلم ( من صام رمضان إيماناً و احتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً  و أختساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ) رواه الشيخان . يغفر الله لي و لكم  و لسائر المسلمين .

 الخطبة الثانية :-

أحمدك ربي حمد الشاكرين و أصل و اسلم على الحبيب محمد القائل ( من لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم . اللهم صل و سلم علىه و على آله و صحبه الغر المياين .

 أحبابي في الله

قال تعالى ممتناً على عباده (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ

إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ

الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) وخاطب آدم عليه السلام بقوله (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ)

أحبابي في الله إن الإنسان يحتاج للأكل و الشراب و الكساء و الدواء وهذه هي من مقومات حياة الإنسان و ضرورياته التي من دونها لا يمكن أن يعيش – و الإسلام يولي هذا الامر إهتماماً كبيراً فكلف الحاكم بتوفير تلك الضروريات لجميع الناس و مقولة سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه تؤكد ذلك فهو القائل ولينا على الناس لنسد لهم جوعتهم ونوفر لهم حرفتهم فان عجزنا عن ذلك اعتزلناهم ... – و يقول عمر رضى الله عنه أخشي الله يسألني يوم القيام بغلة تعثر في العراق لم أسوي لها الطريق ومن هذا يتضح جلياً مهمة الحاكم في الإسلام ولذلك سلفنا الصالح من الخلفاء الراشدين ومن أقتدى بهم فهموا هذه المسئولية وعرفوا قدرها و مكانتها يسهرون لتنام الرعية و يجوعون لتشبع الرعية و يقدمون حقوق الشعب على حقوقهم – لكن واقع اليوم يختلف كثيراً فحكام اليوم يضعون القوانين ليحصنوا أنفسهم عن أي مسآلة قانونية حتى لو أفسدوا في الارض و أهلكوا الحرث و النسل و يأخذون أموال الشعب ليصبحوا من الأغنياء و حقاً أصبحوا من أغنياء العالم بل بعضهم صار يمتلك العقارات في أرقى أحياء الخرطوم العاصمة و أخرون أصبحت لديهم عقارات خارج حدود الوطن و مقابل هذا كله تهدمت و إنهارت البنيات التحتية و المؤسسات الإقتصادية التى كانت تمثل العمود الفقري للإقتصاد السوداني وفي مقدمة ذلك مشروع الجزيرة و المؤسسات الصناعية التي كانت تستوعب ألاف الموظفين و العمال لكلها لحقها التخريب فأنعكس ذلك على حياة المواطن فأرتفعت نسبة الفقر  وسادت البطالة و أمتهن البعض التسول و كثر الفساد و الإختلاسات في مؤسسات الدولة و تضاعفت معاناة الناس ألاف المرات و تغيرت الأخلاق و تبدلت القيم و المثل التى كان يتفرد بها الإنسان السوداني الصدق و الأمانة و المروءة و العفة وغير ذلك إلا من رحم ربي _ أن ما فعلته الإنقاذ خلال خمس و عشرون عام كان خصماً على الأخلاق السودانية السمحة و القيم الإسلامية  النبيلة فالإسلام دين الشورى و العدل و المساواة و الحرية و الكرامة الإنسانية . هذه الفرائض السياسية عُطلت كلها خلال هذه الأعوام وحل محلها الإستبداد و الظلم و التمييز بين المواطنين سياسياً  و جهوياً و أنتُهُكت الكرامة الإنسانية . أن ما فعل يتناقض تماماً مع مقاصد ديننا الإسلامي فالإسلام دين – الشريعة عدل و رحمة كلها و حكمة كلها فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ومن الرحمة إلى ضدها ومن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة في شئ و أن ادخلت فيها بالتأويل .

أحبابي في الله لا مخرج من هذا الواقع المرير و المستقبل القاتم و تجاوز سلبيات الماضي إلا بالرجوع إلى الحق وفي إعتقادي ان ذلك ممكناً ولكنه يتطلب إرادة صادقة و عزيمة قوية و نية مخلصة خاصة من المؤتمر الوطني واستجابة كاملة لمطالب الشعب المشروعة  المتمثلة في الحرية و الكرامة الإنسانية و السلام الشامل العادل و التحول الديمقراطي و أطلاق سراح  جميع المعتقلين و سيادة حكم القانون على الجميع فلا حصانة  لأحد فاسد وظلم وقتل نسأل الله أن يحفظ بلادنا و أيبدل حالها خيراً من حالنا –

أحبابي في الله العالم كله يتابع هذه الأيام ما يدور في فلسطين المحتلة وما يتعرض له  الشعب الفلسطيني في غزة و غيرها من إبادة من قبل الصهاينة المحتلين أننا ندين هذا الإعتداء الذي راح ضحيته العشرات من الأطفال و النساء و نطالب بوقفه فوراً و نقول على الأمة الإسلامية أن توحد كلمتها لتواجه هذا الظلم  العدون بصف واحد يقهر المعتدين و نطالب كذلك منظمات المجتمع  الدولى ممثلة في مجلس الأمن و الأمم المتحدة بتحمل مسئولياتها وذلك  بحماية الشعب الفلسطيني الأعزل  و إيقاف  هذه الإبادة و نحملها مسئوليتها من هذه الإبادة   . نرفع الأكف لله ان ينصر أخواننا في فلسطين و جميع المظلومين في بقاع الدنيا .

 أحبابي في الله أننا بأسم هيئة شئون الأنصار للدعوة و الإرشاد نهنئ جميع الأمة السودانية بنجاح أبنائها في امتحانات الشهادة السودانية و نخص بالتهنئة أبنائنا الحفظة الدعاة فالحمد لله هذا العام كان أول الشهادة الأهلية من حفظة خلاوي الإمام عبد الرحمن وهو الحبيب منصور عبد الله محمد آدم وكذلك الثاني الحبيب حامد النور محمد و ثمانى عشر أخرون كلهم من حفظة هذه الخلوة نتمنى لهم مستقبلاً زاهراً و علماً نافعاً يرفدوا به الدعوة المهدية التي تدعوا لإحياء الكتاب و السنة بصورة توفق بين الأصل و العصر .

أحبابي في الله نسأل الله الشافي المعافي ان يعجل بشفاء الأحباب الشريف محمود –و الحبيب جمال على – و الأمير عبد الرحمن نقد الله و الصغيرة سما سيد فحل و الحبيب حماد بله .

 قال تعالى كل من عليها فان تنعى هيئة شئون الأنصار

الأنصاري مهدي حسن والد الحبيب محمد مهدي حسن و أخوانه.

ونترحم على الأنصارية مقبولة عبد الرحمن زوجة الحبيب د. على حموده صالح

ونترحم على الأنصاري حسن جماع . تغمدهم الله بواسع رحمته .

الأحد، 13 يوليو 2014

الإمام الصادق المهدي يخاطب الامة الإسلامية


الإمام الصادق المهدي : الأنصاري عبد الله عبد الوهاب (معطون في الأنصارية)


الإمام الصادق المهدي : الأنصاري عبد الله عبد الوهاب (معطون في الأنصارية)

 

فخر الدين آدم موسى – امدرمان

شرف الحبيب مولانا آدم احمد يوسف نائب الأمين العام لهيئة شئون الأنصار دعوة  الإفطارالتي  قدمتها  أمس أسرة الأنصاري عبد الله عبد الوهاب وقدم فيها لمحات عن سيرة الراحل الفقيد  وقال أن الإمام الصادق المهدي  قال عنه أنه ( معطون في الأنصارية ) . وتحدث مولانا آدم عن الرحال حديث التلميذ الذي نهل من معلمه و  وصفة بالتقوى و الفلاح و العلم و الزهد  و الروحانيات العالية وقال أنه سليل أسرة مجاهدة  ساهمت في نشر الدعوة في الشمالية وجاهدت مع الإمام المهدي  فوالده  عبد الوهاب الأنصاري  كان من أصغر قادة و أمراء  المهدية  أهدته  أمه للإمام المهدي عليه السلام و قد الف الحبيب الراحل عبد الله عبد الوهاب الأنصاري عدة مؤلفات أهمها (سيف المجاهدين الحاسم لاعناق الملحدين   ) و تحدث فيه عن الإمام المهدي و الثاني بعنوان ( رماح العدة لمحاربة أهل الردة ) وهو عن خليفة المهدي . وكان الحبيب عبد الله من مؤسسي  الحارة 11 أختاره أهل الحاره ليكون شيخها و دليهم .

شرف الإفطار الحبيب  الشاعر الكبير فضل النور جابر و الحبيب مولانا الزبير محمد على إمام مسجد الحاج مردس بالكلاكلة و مقرر أمانة الشباب بهيئة شئون الانصار و الأحباب في جمعية الكون أمير مشاوي و إسماعيل عبد الوهاب و فخر الدين آدم موسى و الزبير محمد و الهادي مبارك الجزولي محمد احمد عبد الرزاق عمر . و قد حفت الأسرة الكريمة ضيوفها بكرم الضيافة وحفاوة الاستقبال فهم غرس طيب إمتداد لتاريخ معطون و ضارب الجزور في الأنصارية نسال الله أن يبارك لهم وفيهم .

وتحدث الشاعر الحبيب فضل النور جابر عن ثورة أكتوبر ودور الشباب  في المرحلة المقبلة  و عن الحركة الإسلامية  وتاريخ بدايتها كافراد  في عام 64و عن مشاركتهم في تشييع الشهيد القرشي و صلاة الحبيب الإمام عليه .

جدير بالذكر أن جمعية الكون للتنمية البشرية ظلت كل عام تتواصل مع الأسر الأنصارية في رمضان و يعد هذا الإفطار هو الثاني هذا العام حيث شهدت الحاج يوسف الإفطار الأول بمنزل المرحوم الأنصاري آدم موسى عبد الله و حضره قيادات الانصار بمنطقة الحاج يوسف و تاتي خطوة الجمعية في إطار التواصل و التراحم و التوثيق لسيرة رجال عطروا مسيرة الكيان و قدموا و ما بخلو جدير بالذكر ان جمعية الكون تبنت طابعة كتب الراحل عبد الله عبد الوهاب الأنصاري لتثرى المجتمع الانصاري بتاريخ معاصر  .


صفات اﻹنسان الرسالي

صفات اﻹنسان الرسالي
1-اﻹخلاص في السر والعلانبة
2-العدل في الغضب والرضا
3-اﻻقتصاد في الفقر والغنى
4-أن تصل من قطعك
5- أن تعطي من حرمك
6-ان تعفو عمن ظلمك
7-ان يكون نطقك ذكرا
8-ان يكون صمتك فكرا
9-أن يكون نظرك عبرا
قال تعالى:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"

الجمعة، 11 يوليو 2014

دعوة هيئة شئون الأنصار لقادة الإعلام في السودان


قدم الأمير عبدالمحمود أبو الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار للدعوة  للسادة روساء تحرير الصحف والأجهزة الإعلامية و القنوات الفضائية لتناول وجبة الأفطار و حضور خطاب الإمام . ادناه نص الدعوة
 
 
 
السادة  / مديرو الأجهزة الإعلامية
روساء تحرير الصحف اليومية
الإعلاميون
مديري القنوات الفضائية
المحترمون  
 السلام عليكم و رحمة الله وبركاته .
 يسرنا دعوتكم لتناول الأفطار بساحة مسجد خليفة المهدي يوم الثلاثاء 17 رمضان و حضور اللقاء الجماهيري الحاشد إحتفالا بواقعتي بدر الكبرى وأبا الاولي و سوف يخاطب القاء الحبيب الإمام الصادق المهدي والذي سوف يوجه خطابا هاما للأمة الإسلامية و السودانية.
عبد المحمود أبو ابراهيم.
الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار
12-7-2014م

دعاء

اللهم يامن تحل بذكره عقد النوائب والشدائد
يامن إليه المشتكى وإليه أمر الخلق عائد
ياحي ياقيوم ياصمد يامن تنزه عن المضادد
أنت العليم بمابلينا به وأنت عليه شاهد
أنت الرقيب على العباد وأنت في الملكوت واحد
أنت المنزه يابديع الخلق عن ولد ووالد
أنت المعز لمن أطاعك والمذل لكل جاحد
إنا دعوناك والهموم جيوشها لقلوبنا تطارد
ففرج عنا بفضلك يامن له حسن العوائد
فخفي لطفك يستعان به على الزمن المعاند
أنت الميسر والمسبب والمسهل والمساعد
يسر لنا فرجا قريييييييييييييييبا يا إلهي ﻻتباعد
وكن ناصرنا فلقد يئسنا من اﻷقارب واﻷباعد
ثم الصﻻة على النبي وآله الغر اﻷماجد
والصحابة كلهم ماخر للرحمن ساجد
وﻻحول وﻻقوة إﻻبك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عبد المحود أبو : لقاء 17 رمضان مهرجام روحي يجسد الأصلةو القيم السودانية


 عبد المحمود أبو :17 لقاء رمضان  مهرجان روحي  يجسد الأصالة و القيم السودانية .

وجهت هيئة شئون الأنصار الدعوة للأمة الإسلامية و الأسرة السودانية  الدعوة لمشاركتها  إفطارها السنوي الذي يقام إحتفالاً  بذكرى موقعتي  بدر الكبرى و أبا الأولى و يخاطب اللقاء  السيد  الصادق المهدي إمام الأنصار و رئيس حزب الامة القومي ـ وقال الأمير عبد المحمود أبو إبراهيم الأمين العام لهيئة شئون الأنصار للدعوة و الإرشاد أن لقاء  17 رمضان مهرجان روحي يبعث في الأمة روح الجهاد و الإستشهاد من أجل الدين و الوطن مذكرًاً بماضى السلف الصالح و الأباء الذين قدموا أرواحهم رخيصة نصرة و عزة  و يجسد الأصالة و القيم النبيلة  التي تميز بها  الشعب السوداني.

 وبهذه المناسبة أصدرت هيئة شئون الأنصار المنشور أدناه

بسم الله الرحمن الرحيم

هيئة شئون الأنصار للدعوة و الإرشاد

 المركز العام

 قال تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))

 وقال نبي الرحمة ( أن لربكم في أيامكم نفحات إلا فتعرضوا لها عسى أن تصيبكم منها نفحة فلا تشقوا بعدها أبدا)

دعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوة عــــــــــــــــــــــــــــــــامة

 إلى الأحباب في الله و الأخوان في الدين و الوطن

تعرضاً لنفحات الله الربانية في هذا الشهر العظيم وطلباً لنصر في شهر النصر ال17 من رمضان حيث نصر الله نبيه محمد صلى الله عليه و سلم و أصاحبه الكرام في بدر الكبرى و نصر مهديه ( محمد بن عبد الله )عليه السلام و أصحابه الأبرار في أبا الاولى . وشحذاً للهمم و تجديداً للعزم و تطلعاً لخلاص الوطن من محنته تهيب بكم هيئة شئون الأنصار للدعوة و الإرشاد رجالاً ونساء و كباراً و صغاراً حضور (المهرجان الضخم ) الذي يُأصّل للقيم السودانية السمحة التى تفرد بها الشعب السوداني من معاني التكافل و التوادد و التراحم و تناول وجبة الأفطار و الإستماع للخطاب الهام الذي يلقيه الحبيب الإمام (الصادق المهدي ) الذي يتناول فيه قضايا الدين و الوطن وذلك

بساحة مسجد خليفة المهدي جوار قبة المهدي عليه السلام

الثلاثاء 17 رمضان 1435هـ الموافق 15 يوليو2014م

وللأهمية نرجو الحرص على الحضور

 

 


 

حرائق التطرف في العالم الإسلامي بقلم السيد الصادق المهدي





حرائق التطرف في العالم الإسلامي




بقلم الحبيب الإمام الصادق المهدي
...
بسم الله الرحمن الرحيم


قاعة عمان الكبرى- مدينة الحسين للشباب


حفل الإفطار السنوي للمنتدى العالمي للوسطية


الاثنين 9 رمضان 1435هـ الموافق 7/7/2014م




محاضرة بعنوان: حرائق التطرف في العالم الإسلامي


تقديم: الإمام الصادق المهدي


1. الإسلام هو من بين ملل الإيمانيين أكثرها تقديراً لمرجعية العقل البرهاني، وهو من بين المقدرين للعقلانية أكثرها قولاً بالإيمان.


مع هذا التفرد بدور العقل في الفضاء الإيماني، وبدور الإيمان في الفضاء العقلاني، طرأت ظروف في تاريخنا صنعت تعطيل العقل البرهاني وأبطلت الاجتهاد الفكري وقيدت الاجتهاد الفقهي بمنطق القياس والإجماع الصوري وغيبت الشورى أساساً لولاية الأمر وبدلتها بطاعة المتغلب.


هذه العوامل المصنوعة بلا مسوغ من هداية الوحي المحمدي شلت عطاء الأمة بعد عطاء مرموق وهيأت أقطار الأمة للاحتلال الأجنبي الذي احتلها قطراً قطراً.


الحضارة الغربية الحديثة التي أيقظ أهلها من سبات القرون الوسطى مصابيح الحضارة الإسلامية أيام ضيائها حضارة صحبت الاحتلال وأتت معه إلينا بفكر وثقافة إنسانية متقدمة.


إزاء هذا الغزو الفكري والثقافي أتخذ العلماء والمفكرون في عالمنا ثلاثة اتجاهات: اتجاه أفرط في الرفض وتحصن بمنقول التراث واعتبر ذلك هو الدين الملزم، واتجاه فرط في محمولات التراث باعتبارها عائقاً في طريق الاستنارة الحضارية الحديثة واعتبر الاقتداء بالحضارة الغربية الحديثة هو الموقف العقلاني الصحيح. والموقف الثالث قال به علماء ومفكرون أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ ابن باديس والشيخ بن عاشور وغيرهم. هذه المدرسة أثمرت كثيرين من تابعيها أمثال مالك بن نبي، وعلي شريعتي، ولكن أكثرهم تأثيراً في عالم المسلمين والسنة الشيخ محمد رشيد رضا.


اتبعت حركات كثيرة هذا النهج التوفيقي بين التأصيل والتحديث. ولكن نهج الشيخ محمد رشيد رضا كان أكثر ميلاً للتأصيل من أستاذيه.


كانت الحركة التي أسسها الشيخ حسن البنا في عشرينيات القرن الميلادي الماضي أكثر حركات القول بالمرجعية الإسلامية واستصحاب التحديث فاعلية من حيث المد الحركي والتنظيم وخوض غمار العمل السياسي. وبتأثير من مقولات مرشدها الثاني الشيخ الهضيبي صاحب كتاب (دعاة لا قضاة) التزمت الحركة الاعتدال، ولكن اجتهادات الإسلاميين في بيئة التطرف الهندوسي أدت إلى اجتهاد الشيخ أبو الأعلى المودودي، وبيئة القمع الناصري أدت إلى اجتهادات سيد قطب وكتابه الأشهر (معالم في الطريق).


تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر يبين الصلة الوثيقة بين الغلو الوضعي في مجال الفكر والسياسة والغلو المنطلق من مرجعية إسلامية في الفكر والسياسة.


قال ابن خلدون في المقدمة: كل ظاهرة في الوجود الطبيعي أو الاجتماعي تخضع لقانون، تفسيراً لقوله تعالى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[1]


2. هنالك مصادر للغلو القائل بمرجعية إسلامية في عالمنا المعاصر أهمها:


(‌أ) التصدي للافتتان بالحضارة الوافدة ورفض ممارسات بعض الأنشطة الصوفية عاملان دفعا للتمسك باجتهاد نقلي صارم يعتبر أصحابه الفرقة الناجية ويكفر الآخرين.


(‌ب) ان للحضارة الغربية صلة مباشرة بصناعة التطرف في عالمنا من ناحيتين:


الأولى: الحضارة الغربية تفترض علويتها وتغلبها فلا خيار للآخرين إلا الامتثال لها. هذا الاستعلاء ولد ردة فعل مضادة .


الثانية: الغزو السوفيتي لأفغانستان شكل تحدياً مباشراً للأمة الإسلامية فتصدى له من كونوا القاعدة وساهموا بصورة قوية في هزيمة الغزاة. في تلك المرحلة حظوا بدعم غربي هائل لمواجهة عدو مشترك، وبعد نجاحهم في المهمة تناول اجتهادهم الوجود الأمريكي في بلاد المسلمين، واعتبروه غزواً واتخذوا نهجاً متطرفاً في محاربته ومقولة: إن قتل الأمريكي جندياً أو مدنياً في أي مكان في العام فرض عين على المسلم.


(‌ج) قال المؤرخ الأمريكي ميخائيل أورن في كتابه: (القوة والعقيدة والخيال- سياسة أمريكا في الشرق الأوسط)[2]. قال "لا يوجد في مجال الهندسة الاجتماعية العالمية ما هو أكثر تسلطاً من تأييد أمريكا لقيام دولة يهودية في وسط عالم عربي شديد العداء لذلك" . وقال: "هذا العمل من شأنه أن يخلق حالة حرب مستمرة".


وبقدر ما في الممارسات الصهيونية من نهج توسعي وتطرف صهيوني تبنت تيارات ذات مرجعية قومية وإسلامية مقاومة تحريرية كما تبنت تيارات متطرفة مواقف معادية لإسرائيل ومن يقف وراءها.


(‌د) إن لنظم حاكمة في المنطقة دوراً في تغذية التطرف إذ اتسمت بـالاستبداد، والفساد، والظلم الاجتماعي، والتبعية، ما أدى لحركات رفض وتحرير ومع كل زيادة في الكبت زادت حصة التطرف في المقاومة.


(‌ه) هنالك قاعدة اجتماعية تقول: إذا وجد الاحتقان ولم يجد علاجاً تنشأ حتماً قوى جديدة.


لفترة ما بدا كأن الربيع العربي قد أوجد وسائل سلمية للقضاء على الاستبداد، والفساد، والظلم الاجتماعي، والتبعية، ولكن نكسات الربيع العربي إذ دمرت الدولة المركزية كما في سوريا، وليبيا، واليمن، فصنعت فوضى هي المناخ الأنسب للتطرف وما يصحبه من عنف.


(‌و) روافد التطرف والعنف في أفغانستان، والعراق، والصومال مرتبطة تماماً بإخفاقات الهندسة السياسية الأمريكية:


- ففي أفغانستان بعد طرد السوفيت أخفقت الحركات الجهادية التي شاركت في التحرير في إدارة البلاد بل اشتبكت فيما بينها ما أدى لبروز حركة طالبان، حركة طالبان نجحت فيما أخفقت فيه الحركات الأكثر تجربة والأسبق تنظيماً ولكنها تمثل نهجاً في الحكم مشدود لأنماط ماضوية مغيباً عن العصر الحديث ولكن النهج الصحيح للفقيه أن يعرف الواجب اجتهاداً لا تقليداً ويلم بالواقع ثم يزاوج بينهما، كما قال ابن القيم. فهم طالبان فقير في الاجتهاد ومغيب عن الواقع المعاصر ولكن سياسات الولايات المتحدة في أفغانستان وما انطوت عليه من استلاب أعطى طالبان دوراً وطنياً بحيث التف حولها كثير من الشعب الأفغاني لا تأييداً لنهجها ولكن مقاومة للسياسة الأمريكية.


- وفي الصومال انهارت الدولة المركزية بعد نهاية نظام سياد بري وانفتح المجال لأجندات متضاربة ومنها حركة الشباب المتحالفة مع القاعدة. ههنا أيضا إسناد حفظ الأمن في الصومال لأثيوبيا العدو التاريخي للصوماليين جعل حركة الشباب تكتسب دوراً وطنياً.


- أما في العراق فإن الولايات المتحدة بعد احتلال البلاد لم تتعامل معه كوطن بل كوجود مصنف شيعة، وسنة، وأكراد، وآخرون. لم يسبق التطبيق الديمقراطي كما ينبغي اتفاق حول الهوية وترك الأمر للآلية الديمقراطية. الآلية الديمقراطية لا تصلح وحدها دون توازن في أمر الولاءات الموروثة.


وفي السنوات الماضية آلت رئاسة الوزارة للسيد نوري المالكي، السيد نوري المالكي تصرف كرئيس وزراء بموجب الوزن الانتخابي ولم يراع التوازن المطلوب، وكان تصرفه مع نائبه السيد طارق الهاشمي بالتجريم وتعامله مع اعتصامات أهل السنة تعاملاً أهوج. لقد استعدى بصورة بليدة أهل السنة والأكراد وبعض الشيعة الذين انتقدوا نهجه أمثال التيار الصدري.


القاعدة انتشرت بشبكة خلايا في كثير من البلدان وكان لها وجود في سوريا، ولكن منذ سنين كان نهج أبو مصعب الزرقاوي مختلفاً مع قيادة القاعدة حول الموقف من أولويات القتال، هو يروى أن التصدي لقتال الشيعة أهم من قتال الأمريكان. من هذه المفاهيم ولدت حركة "داعش" التي وجدت دعماً كبيراً من بعض دول السنة ومن بعض الأثرياء السنة واستقطبت كثيراً من العناصر العراقية الناقمة على حكومة المالكي من قبائل من أهل السنة وبعثيين ونقشبندية.


داعش تأسست في العراق كامتداد لحركة الزرقاوي. ولكن أبو محمد الجولاني اختلف مع البغدادي وذهب إلى سوريا حيث أسس فيها جبهة النصرة الموالية لقيادة القاعدة – أيمن الظواهري.


داعش المنطلقة من العراق تمددت كذلك في سوريا وحظيت بميزات فريدة: ثرية مالياً، ومتحالفة مع فصائل تجمعها معهم الهوية السنية - حاصلة على جنود مدربين على القتال- وحاصلة على أسلحة متطورة. هذه الميزات تدل على أن لها سنداً داخل العراق وداخل سوريا ومن جهات مجاورة.


وبعد احتلاها المفاجئ والناجح للموصل أسرعت داعش في تطبيق خريطة الطريق المعتمدة لدى القاعدة وهي: تأسيس خلايا في مناطق مختلفة، واستنزاف السلطات بأعمال عنف لإجبارها على الانسحاب منها والعمل على تطبيق الشريعة فيها ويشمل ذلك هدم الأضرحة وتدمير التماثيل وتطبيق الحدود، ورعاية المعايش وبث أجندة فكرية ماضوية وأخيراً إقامة الخلافة الإسلامية.


تفكك الدولة المركزية في سوريا، والانقسام الطائفي الحاد في العراق والنجاح في اجتياح الموصل والسيطرة على إقليم ممتد من سهل حلب إلى نينوي مروراً بالانبار جنوبا أعطى طموح داعش بعداً جديداً فأعلنت قيام الخلافة الإٍسلامية وبايعوا أبا بكر البغدادي خليفة. يلاحظ:


· هذه خلافة انتقائية بمعنى محدودية قاعدتها.


· البيعة مؤسسة على التغلب لا شورى المسلمين.


· من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.


· شيعة العراق، وأكراد العراق سيرفضونها كذلك كثير من أهل السنة.


· ولكن يمكن لداعش أن تجد تعاطفاً في أوساط العرب السنة في الخليج، وفي المغرب.


في العراق سوف يكون دور هذا التطرف زيادة حدة المواجهة بين السنة والشيعة في كل مكان، وتوفير ظروف موضوعية لتقسيم العراق، وزيادة منافذ التدخلات الإقليمية في الشأن العراقي. ففي الأردن الذين كانوا مع جبهة النصرة مالوا نحو داعش، وفي ليبيا لداعش فرع في درنة يتأهب ليصير مركز انطلاق مغاربي.


التطرف والغلو والعنف المصاحب له ينشأ من عوامل ذاتية لكن يخدم مصالح العدو بأكثر مما كان يتمناه.


تحدث وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي في عام 2008م عن مصير العالم العربي ووصف الدول العربية بأنها تقوم على كيانات مصطنعة لذلك لن تستقر وسوف تؤدي التفاعلات فيها إلى حركات تنتهي بتقسيمها وقال: العراق سوف ينقسم لثلاث دويلات، السعودية لخمس، والسودان كذلك لخمس،


واقترح خريطة جديدة: قيام دولة كردية تضم الأكراد في خمس دول في كردستان الكبرى، ودولة شيعية جديدة تضم البحرين وشرق السعودية وجنوب العراق وغرب إيران.


سبب هذا التفكيك والتركيب في نظره أن الوضع الحالي لا يراعي التباين الإثني والمذهبي ولذلك فهو لن يستقر إلا إذا جرت التعديلات. حركات التطرف تحقق أماني الأعداء.


الغلو العنيف في مصر مركز في سيناء وهو مرتبط بالقاعدة وربما حاولت جذبه داعش إليها، أو دولة "الخلافة".


وسوف تشهد المنطقة كلها تنافساً في الحركة وبالتالي في العنف بين القاعدة وداعش ما يعني تهديد الأمن القومي في كل المنطقة.


مسرح المواجهة الرئيس في مصر اليوم فحواه صدام علماني أخواني. هذا الصدام لا يمكن حسمه عسكريا فإذا اتجه الحكم في مصر إلى اجتثاث الأخوان كجماعة إرهابية وتحالف الأخوان مع فصائل من شباب الثورة سوف تشهد مصر مفاصلات نتائجها التضحية بالديمقراطية، وبالوحدة الوطنية وبالتنمية. هذا الموقف سوف يغذي التطرف في الجانبين وستجد فيه داعش والقاعدة فرصة أكبر للتمدد.


أثناء حكم الرئيس السابق محمد مرسي اجتهدنا نحن منتدى الوسطية العالمي أكثر من مرة لنصحه لإيجاد تسوية حول الدستور وإلغاء الإعلان الدستوري وكانت قيادة جبهة الإنقاذ على استعداد للتفاهم، ولكن مع أنه أبدى استعداداً لدراسة المبادرة رفضها المرشد رفضاً باتاً، والنتيجة أن حكم الأخوان ظهر كحكم جماعة لا للوطن ولعله أعجب بالتجربة السودانية فحرص على التمكين وكانت النتيجة تكتلاً واسعاً ضدهم هو السر في نجاح حركة تمرد وفي حشود 30 يونيو وفي إجراءات 3 يوليو، وخريطة الطريق للمستقبل المصري التي نفذ جلها.


مصلحة مصر ألا تستعدي القابلين للاندماج السياسي من الأخوان، وألا تسعدي فصائل شباب الثورة وألا تصدر الأحكام على أعمال العنف إلا بعد تحقيقه، بل وأن يجري تحقيق عادل في كل الأحداث ليميز الطيب من الخبيث، وأن يحصر العقاب فيمن ارتكب جرماً لأن تجريم تنظيم ذا وجود مجتمعي واسع لا يجدي.


الأخوان المسلمون من جانبهم ينبغي أن يجروا مراجعات تؤكد:


- الاعتراف بارتكاب أخطاء محددة.


- الفصل بين جسم دعوي لا يعمل بالسياسة وجسم سياسي مفتوح لكل من يؤيد برنامجه من المصريين.


- الاعتراف بالواقع الراهن واكتساب شرعية للعمل السياسي تحت مظلته التعددية .


ما لم يجر هذا التراضي الوطني في مصر فإن الاستقطاب الحاد سوف يفرز تطرفاً يفتح أوسع الأبواب للغلو المحلي والوافد ويجبر الحكومة على إجراءات القبضة الحديدية ما يزيد التطلعات لثورة جديدة ويعرقل المسيرة المصرية.


المسألة السودانية وألغام التطرف:


النظام الحاكم في السودان نظام ذو مرجعية أخوانية ولكنه اتخذ نهجاً برجماتياً جعله يفرغ كثيراً من شعاراته للمحافظة على السلطة لا سيما عندما أبرم اتفاقية 2005م مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.


الشعارات الإسلامية المفرغة عن كثير من محتواها أدت إلى ردود فعل متطرفة في اليمين: حركات تكفيرية بعضها متصل بالقاعدة، وبعضها متطرف ببرامج سودانية؛ وفي اليسار برزت اتجاهات علمانية لنفي الدور السياسي للإسلام، وأفريقيانية لنفي الانتماء العربي.


السودان اليوم مسرح حركات تطرف إسلامية – علمانية- عربية – أفريقانية. ويصحب هذا التطرف اليوم اقتتال على أكثر من جبهة هي حروب هوية.


بالإضافة لتعدد جبهات الاقتتال في السودان بسبب الهوية فالسلطة في السودان تواجه مشاكل عميقة:


o النظام أهمل وسائل الإنتاج المعهودة ومنذ 2000م اعتمد على إيرادات البترول وأكثره جنوبي وتوسع في الصرف بصورة ورمية ولم يحتط لانفصال الجنوب في 2011 ههنا مأزق اقتصادي كبير.


o حروب الهوية تحيطه بجبهات اقتتال لا قبل له بها.


o ثالثة الأثافي أن الأسرة الدولية شريكة في الشأن السوداني بموجب (61) قرار مجلس أمن أغلبها بموجب الفصل السابع، وبالسودان أكثر من 30 ألف جندي دولي وأفريقي، ويعتمد جزء كبير من البلاد على أغاثإت إنسانية أكثرها دولية.. هذه الحقائق تجعل النظام الدولي شريكاً في الشأن السوداني .


o قيادة النظام ملاحقة جنائياً بموجب القرار الدولي 1593.


رئيس الجمهورية يعتقد أن الاستمرار في السلطة أفضل حماية له من الملاحقة، ولكن استمراره في السلطة يحرم السودان من أية اتفاقات ممكنة بخصوص:


- إعفاء الدين الخارجي وقدره 44 مليار دولار بموجب مشروع إعفاء ديون الدول المديونية.


- واتفاق بشأن رفع العقوبات التي تكلف السودان 745 مليون دولار سنوياً .


- اتفاق بخصوص فك تجميد 350 مليون دولار مستحقة للسودان بموجب اتفاقية كوتنو.


أي أن خروجه من الحكم يعرضه للاعتقال واستمراره يشل البلاد اقتصادياً.


علاجنا للموضوع هو أنه إذا اتفقت الحركة السياسية السودانية على معادلة حول المساءلة فإن مجلس الأمن على استعداد أن يوافق عليها ولكن الحركة السياسية لا يمكن أن تتفق إلا على أساس قيام نظام جديد وأهل التمكين في النظام يمتنعون.


(ه) السمة الغالبة اليوم على حرائق التطرف تدور حول الهوية أي المنطقة تعاني من حرائق الهوية وهي حرائق اكتوت بها سابقا أوربا بصورة دراماتيكية: في النزاع بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا نظم المجلس النيابي لباريس لجنة خاصة 1549م لقمع الخروج عن الرأي وأرسل من أدينوا إلى المحرقة وكانت مذبحة باريس 1572م الأفظع في التاريخ. استضاف الكاثوليك البروتستانت لديهم لتقريب وجهات النظر بينهم ولكن قتلوهم ليلاً وهم نيام فلما طلع الصبح على باريس كانت الشوارع تجري دماً ولقي اليهود والمسلمون في أسبانيا إبادة عرقية.


حكم على برونو الايطالي بالحرق حياً لموقفه المخالف من الدين. قال قبل حرقه: أيها الغباء المقدس، أنتم وحدكم تفعلون الكثير للتقدم وإصلاح النفوس أكثر مما يفعل الإبداع البشري والعلم. وقد صح كلامه، فأوربا بعد هذا التاريخ الظلامي استفاقت لنهج منظومة حقوق الإنسان. والمدهش هو أننا المسلمين الذين يخلو نصوص كتابنا من الإكراه في الدين، ويخلو من العنصرية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[3]، وتعتبر نصوصنا المقدسة التنوع البشري حتمياً (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)[4]، وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)[5]، وقال: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)[6]. وعملياً نعرف صحيفة المدينة التي أعطت التنوع الديني والإثني مشروعية. نحن مع كل هذه الحقائق الآن نواجه في أوطاننا حروب الهوية، وهي حروب لا يمكن أن ينتصر أحد طرفيها، بل تفرّخ الأحقاد والتطرف، وتفتح أبواب التدخل الأجنبي.


(و) هنالك مسألة لا تبرز الآن سبباً في التطرف والمواجهات، ولكنها مع ثراء القلة وفقر الكثرة سوف تغذي التطرف بصورة كبيرة مثلما فعلت في أوربا، فأدت لصراع الطبقات. كتب توماس بيكتي كتاباً سماه رأس المال المختل، ذكر فيه اختلال توازن توزيع الثروة داخل البلدان وفيما بينها، ووصل لنتيجة: إما أن تدرك النخب الثرية أن البؤس الاقتصادي لا يمكن تفادي عواقبه المدمرة إلا بتوزيع أكثر عدالة للثروة. أو فإن إهمال هذا الجانب معناه الاستعداد لفكرويات عدالية تدفع نحو مواجهات ذات أسباب اجتماعية.


3. هذا تشخيص لأسباب التطرف. والتطرف هو المرحلة السابقة مباشرة للاقتتال، فماذا نستطيع أن نفعل؟ التطرف مطية الباطل، قال ابن مسعود رضي الله عنه ما من أمر إلا للشيطان فيه نزغتان لا يبالي بأيهما ظفر: التعطيل والغلو. وأصحاب التعطيل أو الغلو يحملون فكرهم في بنية أيديولوجية هي بتطرفها أعدى للحقيقة من الكذب، فالكذب حالة مفردة، أما الأيديولوجيا المتطرفة فإن صاحبها يقول ويفعل موقناً بأن موقفه هذا هو عين الحق. ولا يمكن أن نخرج من مآلات التطرف المدمرة إلا إذا قمنا فكرياً وثقافياً بمراجعة مذاهب ورؤى وأفكار محملة بفكر يفرخ التطرف:


(‌أ) الولاء والبراء. يدرس الولاء والبراء لدى كثيرين على أنه موقف مفاصلة بين أهل الإيمان والآخرين، فليس بيننا وبينهم إلا العداء. ولكن ديننا يقول: (﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ)[7]، ويقول: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.)[8]. وديننا يعترف بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان ما يسمح بالمعاهدة على احترام حقوقه الإنسان، وهي خيارات يمنعها الفهم الإقصائي للولاء والبراء. ينبغي أن نراجع مفهوم الولاء والبراء بالصورة التي تسمح لنا بإخاء الإيمان والإخاء في الإنسانية.


(‌ب) السلفية عبارة تزكية، وأهم استحقاقاتها القدوة المحمدية. القدوة المحمدية اعترفت بالتنوع وجسدته في صحيفة المدينة. امتنعت عن التكفير، واتسمت بالتسامح، مثلاً، معاملة عبد الله بن أبي سلول. استناد السلفية لابن تيمية انتقائي، لأن ابن تيمية قال بتجاوز النصوص إلى المقاصد، وقال بالالتزام بالممكن مستشهداً بنهج يوسف عليه السلام في بلاط فرعون بأنه لم يلتزم بكامل عدالة النبوة مراعاة للواقع. وقال بواجبية فعل الممكن، والشاهد قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)[9]، وتجاوزاً للنصوص قال في كتاب الحسبة: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، إن الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام". وبينما تحرص سلفية اليوم على التمسك بربط الدين بالنصوص وحدها، هاجم ابن القيم تلميذ ابن تيمية هذا النهج مؤيداً مقولة الفقيه الحنبلي ابن عقيل: "السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي". وسلفية اليوم يتوسعون في مفهوم البدعة، ويعتبرون كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. البدعة ههنا في ثوابت الدين وهي التوحيد والنبوة والمعاد والأركان الخمسة، أما في العادات فالإسلام يعتمد الحركة كما قال ابن القيم في أعلام الموقعين: تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال. هنالك مراجعات مطلوبة في مقولات السلفيين لكيلا تكون الدعوة مجالاً للتطرف والتكفير. ما يؤخذ عليهم ويوجب المراجعة هو اعتبار أنفسهم الفئة الناجية وتكفير الآخرين، والقول بما هو خارج حدود الممكن. لقد صاروا جماعات مهمة في الجسم الإسلامي اليوم ويرجى أن يجروا مراجعات تقفل أبواب الغلو والتطرف.


(‌ج) أهل السنة: إذا كان مفهوم أهل السنة هو الالتزام بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فالمسلمون كلهم بموجب هذه الشهادة أهل سنة. ولكن الفهم الطائفي لعبارة أهل السنة يصنف الشيعة تصنيفاً إقصائياً ويصفهم بالروافض، وفي أحيان يكفرهم. هذا النهج لا يجوز فالشيعية تنطلق من تأويلات لنصوص فيها تزكية للإمام علي مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في غدير خم (اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ) كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالعترة. ونحن جميعاً نصلي على محمد وآل محمد في تحيات الصلاة. نعم الشيعة أقاموا على هذه التزكيات مفاهيم كالسلسلة الإمامية ووجوب طاعة الإمام وعصمته، وهي تأويلات تلزمهم ولا تلزم غيرهم ولا توجب تكفيرهم.


(‌د) الشيعة: إذا كان مفهوم الشيعة هو الولاء لآل البيت النبوي وحبهم فكل المسلمين شيعة. ولكن الفهم الطائفي لعبارة شيعي يصنف أهل السنة تصنيفاً إقصائيا بعبارة النواصب وأحياناً يكفرهم. مقولة إن الإمامة كالنبوة جزء ملزم في عقيدة المسلم عقيدة مذهبية، تلزم أصحابها ولا تلزم غيرهم. قال الشيخ المفيد وآخرون: من جحد الإمامة فليس مؤمناً. هذا التعصب يخالفه آخرون مثل السيد علي الأمين، والسيد محمد حسين فضل الله والسيد حسين المؤيد. وفي هذا الصدد لا بد من تقدير خاص للسيد محمود الحسني البغدادي المعروف بالصرخي الذي أدان في تصريحات داعش لعنفها ولاعتبارها الشيعة كتلة واحدة تباد، كما رفض استعانة حكومة العراق بالأجنبي وأدان تهميشها لأهل السنة في العراق ما جعل كثيراُ منهم يؤيدون داعش. وأدان في تصريحاته تناقض موقف المالكي الذي يدين جهات سنية مجاورة على تدخلها في العراق ويجيز لجهات مجاورة أخرى التدخل في العراق، ويطلب من الأمريكان قصف مواقع عراقية.


الشاهد، ينبغي إجراء مراجعات في هذا المجال وكذلك في الموقف من بعض الصحابة، فهؤلاء زكتهم نصوص في القرآن وفي الحديث والمطلوب الكف تماماً عن ذكرهم بسوء، إن ذكرهم بسوء غلو ذميم ويأتي بمثله في اتجاه مضاد.


(‌ه) أما المذاهب الفقهية فهي نتيجة لحرية الاجتهاد ولا مانع من تعددها: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والجعفري، والظاهري، والزيدي، والإباضي، المهم في أمرها الاعتراف المتبادل بها وعدم التعصب على نهج أئمة المذاهب الذين كانوا في غاية التسامح وعدم التعصب حتى أن ابن بهلول جاء لابن حنبل بكتاب ألفه وسماه الاختلاف فقال له لا بل سمه كتاب السعة.


(‌و) الإسلام السياسي: هذه العبارة خاطئة فالإسلام واحد. ولكن الصحيح أن يشار لهؤلاء بما يؤكد أن نهجهم هو اجتهادهم السياسي في الإسلام، أي ينسب الأمر لاجتهادهم البشري القابل للصواب والخطأ. ينبغي ألا نقول الإسلام السياسي بل نشير إليهم بعبارة الإسلاميين السياسيين أي نميز بين إسلامي سياسي ومسلم وإسلام. على هؤلاء إجراء مراجعات في مقولة إن الإسلام دين ودولة. الإسلام دين ومقاصد اجتماعية، فالدين متعلق بالثوابت والدولة متعلقة بمتحركات متغيرة، المهم أنها في أية شكل من أشكالها ينبغي أن تلتزم بمباديء الإسلام، وينبغي أن تنطلق المراجعات من تجارب هذه الحركات لا سيما ذات المرجعية الإخوانية في مصر، والسودان، والجزائر، وتركيا، وتونس، وغيرها، مراجعات أهمها:


· التمييز الوظيفي بين جماعة الدعوة وجماعة السياسة فجماعة الدعوة تخاطب المسلمين وجماعة السياسة تخاطب المواطنين.


· تجنب الأحادية والتمكين اللذين أفشلا التجربة السودانية، وخوفا من تكرارها فشلت التجربة في مصر.


· الاهتمام بدروس التجربة التركية والتجربة التونسية. إن الأحادية والتمكين يؤديان للفساد والاستبداد الذي يجسد التطرف ويؤدي حتماً لتطرف مضاد فالاستبداد هو التفرد بالشيء وعدم السماح للآخرين بالمشاركة فيما لهم من حقوق شرعية أو إنسانية أو أخلاقية.


· ومن أهم الدروس المستفادة الحرص التام على تجنب العنف بالحجة الميكافلية أن الغاية تبرر الوسيلة فأي أمر يتحقق بالعنف يحتاج للعنف لاستمراره. في عام 1989م عقدت المنظمات ذات المرجعية الإخوانية مؤتمراً نقدياً لتجاربهم نشر وقائعه الشيخ عبد الله النفيسي بعنوان: الحركة الإسلامية.. رؤية مستقبلية: أوراق في النقد الذاتي. هذه الحركات وبعد التجارب الكثيرة التي خاضتها تحتاج بإلحاح لمؤتمر لتقييم التجارب وإجراء المراجعات المنشودة.


(‌ز)الجهاد: الحاجة ملحة لبيان فقه الجهاد لا سيما وقد صار كثيرون ينسبون تصرفاتهم ظلماً وعدواناً للجهاد:


- الجهاد أوسع من القتال ويبدأ بالنفس لتزكيتها ثم بالعمل بكل الوسائل لإعلاء كلمة الله، ولا يوجب القتال إلا دفاعاً عن النفس وعن حرية العقيدة.


- والقتال في الإسلام لا يجوز إلا تلبية لنداء قيادة شرعية وهو حينئذٍ يلتزم بضوابط أخلاقية صارمة، فلا يستهدف غير المقاتلين من صفوف العدو.


مقولة إن آية السيف قد نسخت كل آيات التسامح في القرآن مقولة باطلة، والآيمة المحكمة في أمر القتال في الإسلام هي قوله تعالى (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ)[10]. الحاجة ماسة لمراجعة فقه الجهاد لأن كثيرين اتخذوا من العبارة مدخلاً للتطرف غير المشروع، مثلاً، في السودان أعلنت جماعة إذا لم تطبق الشريعة في ظرف كذا من الأيام نعلن الجهاد، وفي هذا الباب تطرف كثير يمارسه بعضنا باسم الجهاد.


(‌ح) الإرهاب: بعض المسلمين يقول إن الإرهاب واجب ديني لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)[11]. هذا ليس تشريعاً للعنف، بل لمنع العنف، لأن القوى بكل أرض يتقى. "الإرهاب" المعني اليوم شيء مختلف تماماً من النص القرآني، ومعناه التهديد باستخدام العنف أو استخدامه بالفعل للتخويف أو الإكراه لتحقيق غايات سياسية في معظم الأحيان، سواءً أكان إرهاب تمارسه دولة أو فئات غير حكومية. لا إرهاب الدولة ولا إرهاب الفئات الأهلية مسموح بهما في الإسلام، بل هي ممارسات وضعية يتخذها أصحابها دون ارتباط بأي ديانة، مهما حاولوا إعطائها صبغة إسلامية لممارسة الجهاد. هذا النوع من الممارسات ينشأ دائماً في مقاومة غزاة أجانب، أو طغاة وطنيين، ويتمدد في ظروف الفوضى التي تعقب تفكك الدولة المركزية كما في الصومال، وسوريا، والعراق. هذا النوع من التحرك دائماً ينطلق من فكر متطرف لتجنيد مؤيديه. المطلوب أن نراجع ملف الإرهاب، وأن نؤكد براءة الإسلام منه، وأن نربطه بظروف سياسية معينة تفرخ التطرف وممارسات العنف المرتبطة به. هذا النهج أفرزته ظروف معينة في كل الأديان، وكل الحضارات، وكل البلدان. والدرس المستفاد هو أن محاربة الإرهاب بمحاربة أعراضه أمنياً فاشلة، المطلوب في القضاء على الإرهاب هو التصدي للعوامل التي تفرز التطرف وقرينه العنف الإرهابي، فمحاربة الإرهاب، مثلاً، في أفغانستان زادته. ومنذ نشأة القاعدة في أواخر التسعينات من القرن الماضي أدت محاربة الإعراض لا الأسباب إلى زيادة وجودها وإلى تمددها في شبكة واسعة الانتشار. بل إلى استنساخ أسلوبها حتى بلغت أخواتها في الأسلوب عشرات، مثلاً: جبهة النصرة، أنصار الشريعة، الشباب الصومالي، جبهة بيت المقدس، أجناد مصر، بوكو حرام.. الحقيقة المرة أن التيارات المتطرفة زادت، وممارسات العنف المقترنة بها زادت، والقاعدة بسطت شبكة واسعة وفرخ أسلوبها حركات مقتدية بها تطرفاً وعنفاً. داعش، وهي وليد من حضن القاعدة بلغ بالأمر طوراً نوعياً، انطلقت من ظروف مؤاتية أغضبت أهل السنة في العراق. خلافة داعش لن تجد صدىً في العراق الشيعي والعراق الكردي إلا صدى مقاومة لها. ولكن سيكون لداعش صدىً واسعاً في العراق السنة، وفي جوار العراق من بلدان السنة. هذه بعض التكاليف التي ستدفعها أمتنا ثمنا لاستنبات التطرف والعنف المصاحب له.


(‌ط) تطبيق الشريعة: الشريعة في كل ما يتعلق بالثوابت أي التوحيد، والنبوة، والمعاد، والأركان الخمسة، والأخلاق، والأحوال الشخصية مطبقة فأهل القبلة مسلمون وينبغي العدول عن فكرة أنهم في جاهلية. إن الحكم إلا لله متعلق بالتشريع، وعبارة حكم في القرآن دائماً متعلقة بالتشريع والقضاء لا بولاية الأمر. هذا خطأ الخوارج كما قال الإمام علي، نعم إن الحكم إلا لله ولكنكم تقولون الإمرة لله وهذا خطأ جسيم. وتطبيق أحكام الإسلام يستوجب مراعاة عوامل كثيرة أهمها: مراعاة الظروف الحديثة، مراعاة الأولويات، مراعاة حقوق المواطنين غير المسلمين، فالأمر يتطلب اجتهادا يراعي هذه الظروف ويلم بالواقع ويزاوج بينهما كما قال ابن القيم. أما الحديث عن تطبيق الشريعة كأن كل المطلوب هو فتح كتب مرجعية وتطبيق ما جاء فيها، فإنه يأتي بنتائج عكسية تتعارض مع مقاصد الشريعة. وفي تجربة السودان في عهدين: عهد السيد جعفر نميري رحمه الله، وعهد نظام "الإنقاذ" أبلغ دليل على ما جر شعار تطبيق الشريعة المجرد من الاجتهاد المطلوب ومن مراعاة الواقع للإسلام وللسودان من مضار. لا يوجد نظام معين للإمرة في الإسلام، فلا الخلافة التي يدعو لها بعض أهل السنة ولا ولاية الفقيه التي يدعو لها الشيعة في إيران نظم ملزمة للكافة، فالنظام الديمقراطي مع اختلاف أشكاله هو اليوم آلية أفضل لتطبيق مباديء الإسلام السياسية. وينبغي البحث عن صيغة اجتهادية حديثة لتجسيد علاقات الإخاء بين المسلمين كالرابطة (كومنولث) التي اقترحها مالك بن نبي. أما محاولة إقامة خلافة واحدة لكافة أهل القبلة أو إلزامهم بإتباع ولاية الفقيه فهي تطلعات خارج نطاق الممكن، ولذلك تفرخ حتماً أفكاراً متطرفة ستواجهها ردود فعل متطرفة. الخلافة بالفهم التقليدي لدى أهل السنة، والإمامة بالفهم التقليدي لدى الشيعة يمثلان مشروع مواجهة قتالية لا تبقي ولا تذر. قال العز بن عبد السلام: كل عمل يحقق عكس مقاصده باطل.


(‌ي) العلمانية: دعاة العلمانية يحتاجون كذلك لمراجعات واضحة المعالم، فإن أكثر أشكال التطرف حدة مورست تحت شعارات علمانية كالستالنية، والهتلرية، والفاشستية. وهي ممارسات اقتبس منها كثير من الطغاة في عالمنا. وهنالك اليوم في بعض بلداننا، مصر مثلاً، تيارات علمانية متطرفة تلح على اجتثاث الآخر اجتثاثاً. العلمانيون يحتاجون لمراجعات أهم معالمها:


· الوهم أن الحضارة الغربية الحديثة هي حضارة علمانية خالصة. إنها حضارة رائعة حققت تطويراً لمنظومة حقوق الإنسان وفتوحات تكنلوجية عظيمة. ولكنها حضارة مثقلة بمحمول ديني وثقافي أوربي وفي كل أقطارها وصلت لمعادلة متوازنة بين العلمانية والديانة. الليبرالية والعلمانية كمفاهم مجردة من علائق ثقافية مفاهيم للتدصير لا توجد مجردة من تلك العلائق في أوطانها.


· قال بيتر بيرقر أحد دعاة العلمانية: لقد أخطأنا إذ اشترطنا العلمانية لتحقيق الديمقراطية، فأفدح التعديات على الديمقراطية كانت من نظم علمانية، الشرط للديمقراطية هو التعددية.


· وقال تشارلس تيلور من مفكري العلمانية: نحن نخون مبادئنا إذا منعنا الذين يقولون باجتهاد ديني من المشاركة في الحياة العامة المهم أن يلتزموا بحقوق المواطنة.


· الفكر العلماني التقليدي أصولي عبر عن أفكاره مراد وهبة الذي قال إن مكونات الديمقراطية أربعة: العلمانية، والعقد الاجتماعي ومعناه هدم فكرة أن الحاكم سلطته من الله، والليبرالية ومعناها أن سلطة الفرد فوق سلطة المجتمع، والعقلانية ومعناها ألا سلطة على العقل إلا العقل. هذه مفاهيم علمانية أصولية بعيدة عن الواقع. فالعلمانيون المستنيرون صاروا يعترفون أن الدين لا يمكن حصره في النطاق الخاص. نعم لا تقبل الثيوقراطية، ولكن وجود اجتهاد ذو مرجعية دينية في الحياة العامة من مقتضيات التعددية.


· العلمانية كمفهوم فلسفي محملة بإنكاره أية قيمة للغيب وأية أسس ثابتة لمكارم الأخلاق، وقد كانت فلسفة عمانويل كانط أبلغ رؤية للتوفيق بين العلمانية في مجالها في عالم الشهادة والقيم الأخرى التي مجالها الوحي والإلهام ولا تدركها الحواس.


· في هذا الصدد فإن أفضل رأي هو ما جاء على لسان محمد عابد الجابري، قال إن الواجب استبعاد شعار العلمانية من المعجم الفكري القومي العربي، واستبداله بالديمقراطية والعقلانية فهما يعبران تعبيراً صادقاً عن حاجات مجتمعنا.


· إن للمساواة في حقوق المواطنة، والمساواة أمام القانون، وحقوق الإنسان كإنسان، والعقلانية، أسسا راسخة في تراثنا المستنير، وهي أولى بالاستصحاب.


الأصولية العلمانية كما وصفها مراد وهبة صيغة تطرف تولد نقيضها من التطرف حتماً.


(‌ك) المسألة القومية: القومية العربية حقيقة ثقافي