بسم ألله الرحمن الرحيم
خطبة الجمعة 20 شوال 1438هجرية الموافق 14يوليو 2017م التي القاها الحبيب علي أحمد يوسف عضو امانة الدعوة والإرشاد بمسجد الأنصار الثورة الحارة الأولي ( المهدية)
بعنوان : الإنسان والبحث عن السعادة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحد وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المرسلين وحبيب رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين وبعد: قال تعالى وَالْعَصْر ِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِين َ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ صدق الله العظيم .
أحبابي في الله وإخواني ما دمتم على نهج رسول الله لقد أقسم الله تعالى بالعصر وهو الزمان الذي يعيشه الإنسان ومحل أفعاله وأعماله أن جنس الإنسان لفي خسر ولكنه استثنى الذين اتصفوا بأربعة صفات الذين آمنوا بالله وبما أمرهم أن يؤمنوا به قاموا بعمل الصالحات ويشمل جميع أفعال الخير الظاهرة والباطنة المتعلقة بحقوق الله وحقوق العباد الواجبة والمستحبة وتواصوا بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالصبر على طاعة الله وعن معصيته والصبر على أقدار الله خيرا وشرا والله سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان هملا مضاعا وإنما رسم له طريق السير الذي إذا اتبعه يحقق من خلاله ما يصبوا اليه من السعادة في الدنيا والآخرة والسعادة هي الغاية التي يسعى كل إنسان لتحقيقها في حياته
والناس يختلفون في ميولهم وأمزجتهم و وسائلهم للسعادة فمنهم من يرى أن سعادته لا تتحقق إلا بالسلطة والجاه ومنهم من يرى تحقيق سعادته في المال الوفير ومنهم من يرى تحقيق سعادته بكثرة الذرية هذه هي الوسائل الأساسية التي يرى الناس أن سعادتهم تتم من خلالها والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن أن يحقق الإنسان السعادة التي هي مبتغاه من خلال هذه الوسائل ؟ الإجابة نعم إذا التزم الإنسان بالضوابط التي وضعها الله واتبعها يمكنه تحقيق سعادتي الدنيا والآخرة وإن هو حاد عنها وخالفها يتعب في الدنيا ويخسر في الآخرة فبالنسبة للذين يرون أن سعادتهم تتحقق بالسلطة والجاه يمكنهم تحقيق ذلك بشرط أن يتقي صاحب المنصب ربه جل وعلا فيما ولاه من شئون الخلق ويطبق أمر الله وتوجيهه لمن ولا هم الله شؤونهم حيث قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) الآية؛ ويعلم أن المنصب إلى زوال ومن قصر عن الإيفاء بحقوقه المتمثل في أداء الأمانات وتحقيق العدل بين الرعية فإنه خاسر لا محالة لقوله صلى الله عليه وسلم (إنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدي الذي عليه فيها) والذي عليه فيها هو أن يعدل بين الرعية ويساوي بينهم في الأشياء التي يمكن للإنسان أن يساوي فيها بين الناس مثل تولي الناس الأعمال بكفاءتهم لا بقرابتهم أو ولائهم والأجر المتساوي للعمل المتساوي وكفالة الحق للجميع في نيل الحق وأداء الواجبات وحق التقاضي أمام قضاء حر مستقل إذا اتبع صاحب المنصب هذه الموجهات فإن المنصب في هذه الحالة يسعد صاحبه ويكسبه محبة الخلق وتقديرهم ويكون صاحبه في هذه الحالة ممن قال عنهم صلى الله عليه وسلم: (خير ائمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم ) ويكون (من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وخير مثال لمن استخدم السلطة استخداما صحيحا وفق مراد الله سبحانه وتعالى هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي خلد ذكره لم يذكر العدل إلا وذكر اسمه لأنه عرف أن السلطة امتحان من الله تعالى وينبغي لمن نالها أن يسهر من أجل إسعاد الرعية عامة دون تفريق بينهم يتفقد ضايعهم ويرعى ضعيفهم ويقضي حوائج محتاجيهم ولقد جاء عنه قصصا كثيرة تبين كيف كان يعمل من أجل إسعاد رعيته ونورد قصة واحدة من تلك القصص للتدليل على ذلك روي أنه رضي الله عنه خرج يتفقد أحوال رعيته وذلك عادته وفي اثناء سيره سمع صوت صبية يبكون توجه نحو مصدر الصوت فلما دنى منه سمع امرأة تصبرهم وسمع قدرا يغلى فسألها عن حالهم
فقالت إنهم جياع ولم تجد ما تطعمهم به فجمعت حجارة وضعتها في القدر ووضعته على النار لتشغلهم به حتى ينامون فقال لها لماذا لا ترفعي أمرهم إلى عمر فقالت عمر ؟ الله الله في عمر أيلي أمرنا ولا يدري بحالنا ؟ خرج من عندها مسرعا واتجه إلى بيت المال طلب من الخازن أن يعطيه أشياء من المخزن أخرجها له ثم قال الخازن أحمله علي أحمله عنك أم عليك؟ قال له أحمله علي فكرر الخازن السؤال فقال له ثكلتك أمك أحمله علي أأنت تحمل عني ذنوبي يوم القيامة؟ فرفعها عليه ثم له تعال معي فسار ومعه الخازن حتى أتوا إلى أم الصبية وتولى أمير المؤمنين صناعة الطعام بنفسه حتى فرغ منه دعاهم إلى تناوله وجلس إلى جوارهم وهم يأكلون فقالت أمهم الآن يمكنك الذهاب فقال لها لا أذهب حتى أراهم يضحكون كما وجدتهم وهم يبكون فلما اطمأن عليهم قال لأمهم إذا أصبحت فأت مجلس أمير المؤمنين لارفع لك مظلمتك عنده ثم ذهب فسرت المرأة بذلك وقالت: والله إنك أحق بالخلافة من عمر ولما جاء الصباح أتت إلى مجلس أمير المؤمنين ووجدت الشخص الذي كان معها البارحة جالس تخاطبه الناس بأمير المؤمنين أخذها الخوف ولكنه طمأنها وقال لها بكم تبيعين مظلمتك؟ قالت أي مظلمة تتحدث عنها ألم تصنع لهم الطعام بنفسك؟ فقال لها لكني اشتري منك مظلمتك وحدد ثمن المظلمة وكتب به كتابا ودفع الثمن ثم قال لبنيه إذا مت ضعوا معي هذا الكتاب في الكفن حتى ألقى به الله ليكون لي حجة عنده أما الاستخدام السيء للسلطة فإنها مضرة ونضرب مثلا بفرعون الذي طغى وتجبر وادعى الألوهية ووضع قاعدة أصبحت نهجا المسيئين لاستخدام السلطة على مر الزمان والعصور كما جاء في القرآن حيث ادعى الاستحواذ على معرفة الحق لوحده وما على الآخرين إلا اتباع أمره ونهيه فقال: ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) إن ادعاء الإنسان فردا كان أو جماعة ملكية ناصية الحق والالمام بما يصلح أمر الناس في الدنيا والآخرة دون غيره وما على الآخرين إلا السمع والطاعة نهج فرعوني نهى الله الناس السير على وفقها وحثهم على التعاون والعمل المشترك فقال: ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين َ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّه ِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚوَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ .
) صدق الله العظيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين قيوم السماوات والأرضين ومدبر الخلايق أجمعين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: ولا نزال مع وسائل تحقيق الساعدة فمن وسائل تحقيق السعادة المال ان المال له أهميته في حياة الإنسان وصفه الله بأنه زينة الحياة الدنيا وقرن المال مع البنين فقال: ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فالمال هو وسيلة الإنسان لقضاء حوائجه الحياتية فإذا أحسن الإنسان استخدامه يصير سببا لسعادته في الدارين وذلك بتحري وسائل كسبه بالطرق المشروعة وباستخدامه استخداما صحيحا محققا لمرضات الله ونضرب مثلا لحسن استخدام المال بصاحب رسول الله في الغار وأول خلفائه من بعده أبوبكر الصديق رضي الله عنه حيث سخر ماله خدمة لدين الله فاستخدمه لأجل نشر دعوة الله في الأرض وذلك بشرائه ضعفاء المسلمين الذين كانوا رقيقا واعتاقهم لوجه الله وانفاقه على ضعفائهم وتمويل المجاهدين في سبيل الله حيث أنزل فيه قرآنا يتلى ما دامت السماوات والأرض قال الله تعالى مثنيا عليه ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن ْنِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى) فاستخدام المال استخداما صحيحا محققا مقاصد شرع الله وفق المنهج الذي رسمه لعباده يكون سببا لتحقيق سعادة صاحبه أما استخدامه استخداما سيئا يجعله وسيلة لتعاسة صاحبه ولقد ضرب الله لنا مثلا بمن يستخدمون المال استخداما سيئا بقارون الذي بسط الله له في رزقه وكان ذلك سببا لطغيانه فحق عليه قول الله تعالى: ( كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى) فاستعلى على الناس واغتر بماله فذكره العقلاء من قومه عاقبة ذلك ونصحوه بأن لا يغتر ويفرح لأن الله لا يحب الفرحين فرد عليهم قائلا: (إنما أوتيته على علم عندي ) جاحدا لفضل الله عليه ؛ وافتتن به الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها وقالوا: (يالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) ولكن الله سبحانه وتعالى أخذه أخذ عزيز مقتدر تحقيقا لقوله: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) وجعله الله عبرة لمن يعتبر ووصف ما آل إليه من مصير بقوله: ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَان َ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ) فلما رأى الذين افتتنوا به مصيره ندموا وثابوا إلى رشدهم ووصف الله ما كان يجول بخاطرهم فقال: ( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُون)َ لقد وصف الله المال والبنون بزينة الحياة الدنيا وما ينطبق على السلطة والمال ينطبق على البنين فالبنون يكونون سببا للسعادة إذا ربوا تربية صحيحة قائمة على الإيمان بالله تعالى والاستقامة وحسن الخلق والصدق والأمانة وإيفاء العهود ومكارم الأخلاق فلا شك أنهم يكونون سببا للسعادة في الدنيا والآخرة أما إذا ربوا على اتباع الأهواء وسوء الأخلاق والأنانية فإنهم يكونون سببا من أسباب الشقاء في الدنيا والآخرة وخلاصة القول إن السلطة والمال والبنون وسائل لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة إذا اتبع المعنيون المنهج المرسوم من الله عز وجل لتصحيح مسار الإنسان والمتمثل في الإيمان بالله والاستقامة والبعد عن الطغيان والركون الى الظلم والصبر على مقادير الله خيرا وشرا قال: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
صدق الله العظيم اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم ارحمنا فأنت بنا راحم ولا تعذبنا وأنت علينا قادر والطف بنا فيما جرت به المقادير ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل جمعنا جمعا مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقا معصوما ولا تجعل فينا ولا بيننا شقيا ولا محروما اللهم إنا نسألك من كل خير سألك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ونعوذ بك من كل شر استعاذك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق