شارك مولانا عبد المحمود أبو إبراهيم الأمين العام لهيئة شئون الانصار
في أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية في نسختها الرابعة عشرة تحت عنوان " فقه
العصر: مناهج التجديد الديني والفقهي " والتي استمرت جلساتها طيلة أربعة
أيام ، من الخامس عشر إلى الثامن عشر من جمادى الآخرة لعام ١٤٣٦ من الهجرة
النبوية ، الموافق له من الخامس إلى الثامن من أبريل لعام ٢٠١٥ للميلاد ،
مسجلة التفاعل الذي أحدثته على الساحتين الإقليمية والعالمية، ، وقُدمت
فيها الآراء والمناهج للمختصين وفق مقتضيات العصر وحاجياته، وقدم فيها
مولانا الأمير عبد المحمود أبو إبراهيم بحث بعنوان مسارت الأصلاح الفقهي
وفيما يلي نص البحث
وزارة الأوقـاف والشئون الدينيـة
سلطنـة عُمـان
الندوة الرابعة عشر
تطور العلوم الفقهية - فقه العصر
مناهج التجديد الديني والفقهي - محور الأصول النظرية لفقه العصر
مسارات الإصلاح في الفقه والأصول
تقديم الأستـاذ : عبـدالمحمود أبـّو
الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد
الســـــودان
5- 8 أبريــل 2015م
مسقـط
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمـة :
الإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لعباده ليُنظِّم علاقتهم به سبحانه وتعالى ، وينظم علاقتهم ببعضهم ، وينظم علاقتهم بالكون كله؛ وهو الدين الذي اشتمل على أصول الرسالات السماوية السابقة المتمثلة في التوحيد الخالص لله، والدعوة إلى بسط العدل بين الناس ، وعقيدة البعث بعد الموت والجزاء في الدار الآخرة.
لقد أنزل الله كتابا مفصلا تضمن قصص السابقين من الأمم، وخطاب الله لهم بالكتب والصحف التي أنزلها عن طريق الرسل الذين ابتعثهم لهداية البشرية لطريق الحق وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ وتضمّن أصول التشريع الذي يحكم ويوجّه المسيرة الإنسانية لتحقيق وظيفة الاستخلاف في الدنيا، وأرسل رسوله الخاتم سيدنا محمد بن عبدالله ليبلغ رسالة ربه ويشرح ويبيّن ما أُجمل في القرآن الكريم ، وكان منهجه في التبليغ والتبيين والتفسير يقوم على الخطاب المباشر الآمر والناهي والمرشد، وعلى الحوار، والمقارنة، والإجابة على الأسئلة والاستفسارات؛ وكان أصحابه رضوان الله عليهم"على درجة عالية من الفهم الواعي لتفتح مداركهم وسعة آفاقها ولطهر سرائرهم ونور بصائرهم ، ولأنهم كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقون منه شفاها ، ويرون كيف يُطبِّق أدلة الشرع على الوقائع والأحداث"[1]ففهموا منهجه واستوعبوا أسلوبه في التعامل مع النص والواقع. فقد رأوه صلى الله عليه وسلم" يراعي أحوال السائلين ، فيجيب عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة لاختلافهم كُلاًّ بما يناسب حاله ويعالج قصوره أوتقصيره" فكانوا رضوان الله عليهم يراعون تغير "الفتوى والاجتهاد في فقههم فتغيرت فتواهم في عقوبة شارب الخمر ، وزكاة الفطر ، وزكاة الخيل وسهم المؤلفة قلوبهم ، وطلاق الثلاث ، وقسمة الأرض المفتوحة، وجمع القرآن وكتابته في المصاحف وغيرها من الأمثلة التي لاتعد ولاتحصى"[2] .
واجتهدوا لفهم النص ورسول الله بين أظهرهم، وميزوا بين الوحي المنزل وبين إرشاد الخبير ، فالتزموا بأوامر الوحي ونواهيهه وراجعوه في الآراء الاجتهادية التي لم تكن وحيا مُلزماً، اتضح ذلك جليا في مراجعة الحباب بن المنذر في موقع نزول الجيش في غزوة بدر ، وفي مراجعة السعدان له عندما قرر أن يعطي ثلث ثمار المدينة لقبيلة غطفان مقابل خروجها من حلف الأحزاب.
لقد مكنهم هذا المنهج من التعامل مع المستجدات التي طرأت بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى وتوقُّف نزول الوحي، وورَّثوا هذا المنهج الاجتهادي لمن أتوا من بعدهم من التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم في العصور اللاحقة ؛ بالرغم من محاولة قفل باب الاجتهاد من بعض دعاة التقليد.
والواقع أن الشريعة الإسلامية استطاعت أن تَفِي بحاجات المجتمعات التي حكمتها ، وأن تعالج كافة المشكلات في كافة البيئات التي حلَّت بها بأعدل الحلول وأصلحها، لأنها بجوار ما اشتملت عليه من متانة الأصول التي قامت على مخاطبة العقل والسمو بالفطرة ، ومراعاة الواقع ، والموازنة بين الحقوق والواجبات ، وبين الروح والمادة ، وبين الدنيا والآخرة ، وإقامة القسط بين الناس جميعا ، وجلب المصالح والخيرات ، ودرء المفاسد والشرور ، بقدر الإمكان – قد أودعها الله مرونة عجيبة جعلتها تتسع لمواجهة كل طريف ، ومعالجة كل جديد، بغير عنت ولا إ رهاق، ويعود ذلك لعوامل أهمها :
أولا : سعة منطقة العَفْو[3] المتروكة قصدا حيث تَبْرُز أدلة التشريع فيما لا نص فيه (كالقياس، والاستحسان ، والاستصلاح ، والعرف).
ثانيا : اهتمام النصوص بالأحكام الكلية دون التعرُّض للجزئيات والتفاصيل التي تتغير بتغير الزمان والمكان.
ثالثا: قابلية النصوص لتعدد الأفهام .
رابعا : رعاية الضرورات والأعذار والظروف الاستثنائية ومصالح الناس المتغيرة وتبدل النوايا وتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة.
خامسا : تغيُّر الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف.[4]
وقد ظل الفقهاء والأصوليون يراجعون ويجتهدون ويجددون كلما طرأ طارئ وحلت نازلة فيستنبطون الأدلة ويصيغون القواعد التي تمكنهم من التعامل مع المستجدات بمنهج ينطلق من الأصل لمواجهة تحديات العصر، فالشافعي وضع علم أصول الفقه ضابطا للفهم والاستدلال ، والشاطبي أبرز المقاصد كشرط للفهم والاستنباط، وتوالت المجهودات الاصلاحية عبرالعصور حتى جاء عصرنا الحالي الذي امتاز بتطور وسائل التواصل، وتدفق المعلومات، وسهولة المواصلات؛ حتى صار العالم كالقرية الواحدة.
"وإذا كان الاجتهاد في كل عصر ضرورة مُلِحّة تُحَتّمه حاجة الناس إلى الأحكام الشرعية ليُلبسوها مايصدر منهم من أعمال وليُحلوا بها مايستجد عندهم من مشكلات ، وليُنزلوها على مايواجهونه من أحداث لم تكن مطروحة من قبل في حقل العلوم الفقهية؛ فإن عصرنا هذا – بمايشهده من تطور مذهل ومايعايشه من تقدم سريع لقاطرة الحياة ومايتقاذف إليه من قضايا وأحداث محيرة للألباب – هو أحوج مايكون إلى مواكبة تطوره وتقدمه في المجالات المادية بحركة علمية أصيلة تستمد من أبحر الشريعة الواسعة مايضفي على كل قضية تستجد ومشكلة تعرض نسيجا متقنا من أحكامها العادلة حتى لاتحتاج إلى لبوس يُجْلَب إليها من خارج محيط شرع الله تعالى"[5] وتأتي ندوة تطور العلوم الفقهية في دورتها الرابعة عشر لتؤكد تدفق العطاء الإسلامي وقدرته على مواجهة المستجدات، وقد خُصِّصت هذه الندوة لفقه العصر- مناهج التجديد الديني والفقهي – التي أشارك فيها بورقتي هذه في محور الأصول النظرية لفقه العصر بعنوان "مسارات الإصلاح في الفقه والأصول" عبرمقدمة ومحورين وخاتمة راجيا من المولى عز وجل التوفيق والسداد فهو حسبي ونعم الوكيل.
وأشكر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان على تنظيم هذه الندوة المهمة، وعلى دعوتي للمشاركة للاستفادة من جهود العلماء في هذا المجال، فأكرر شكري لهم وقبل ذلك لصاحب الفخامة جلالة السلطان المعظم قابوس بن سعيد، ولأهل السلطنة على كريم تفضلهم وكرم ضيافتهم
المحور الأول : مسارات الإصلاح في الأصول
علم أصول الفقه، علم يُعْنَى بأدلة الأحكام من حيث الإثبات والحجية ، وطرق الاستنباط والاستدلال..الخ ، وعرفه الرازي في المحصول بأنه: "مجموع طرق الفقه على سبيل الاجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها"[6] وعرفه البيضاوي بقوله: " معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد"[7] وهو "علم معياري للفقه من حيث ابتناء الفقه عليه، وارتكازه على منهجيته"[8] ووصفه ابن خلدون بأنه :" من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا، وأكثرها فائدة"[9] ومن الناحية التكوينية "تعود قاعدته إلى النقل والعقل مجتمعين مما أتاح له النفاذ الكامل لارتكازه على مفتاحي الحقيقة: الشرع الذي يقرر ، والعقل الذي يفسر ويمد ويطور"[10] وذكر العلماء فضله ومكانته بين العلوم قال الغزالي عنه :" أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصول الفقه من هذا القبيل؛ فإنه أخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل ، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لايتلقاه الشرع بالقبول، ولاهو مبني على محض التقليد الذي لايشهد له العقل بالتأييد والتسديد"[11] وظل علم الأصول – منذ أن قعَّد له الشافعي – منهجا حاكما ومرشدا لاجتهاد العلماء في استنباط الأحكام، حتى برزت في العصور الأخيرة اتجاهات ملحة تدعوا لمراجعته وتجديده. يقول عبدالمجيد الشرفي في تقديمه لكتاب الدكتور حمادي ذويب "جدل الأصول والواقع" بعد أن أرجع الفوضي المفهومية والقيمية السائدة في الأوساط الإسلامية؛ إلى طبيعة العلاقة بالماضي وبالموروث الثقافي المتمثل في التأويلات التاريخية والبشرية لنصوص الوحي في القرآن والسنة، وكتب السيرة والمغازي، وقواعد الاستنباط التي سنها الأصوليون ..الخ يقول: " كيف السبيل إلى التخلص من هذه الأسْيِجة التي تكبل المسلم؟ وكيف يمكن التحرر من وطأة الماضي وقيوده؟ وما الطريق إلى فكر إسلامي ابداعي يحقق الطموحات المشروعة إلى تسام روحي وأخلاقي تفتقر إليه الحضارة الحديثة، المادية في جوهرها؟ لعلنا لانبالغ حين نعتبر أنها أسئلة كانت حاضرة في ذهن حمادي ذويب وهو يبحث في أصول الفقه وصلتها بالواقع التاريخي. وعليه فإن إعادة قراءة المدونة الأصولية بفكر نقدي يقظ ، وإن كان عملا أكاديميا...إنما هي في الآن نفسه عمل نضالي يندرج في مشاغل أبناء جيله ، لابمعنى النضال السياسي والاجتماعي المباشر، بل من زاوية النضال الثقافي العسير"[12] هذا التقديم يؤكد خطورة موضوع التجديد في الأصول وصعوبة الإقدام عليه، لأن العقل الجمعي لفقهاء المسلمين لايقبل طرق هذا الباب باعتباره من المناطق المحرمة، مع أن دعاة التجديد والإصلاح الأصولي لم يخطر ببالهم أصلا مراجعة الأصلين الثابتين: القرآن الكريم وماصح من السنة النبوية الشريفة؛ اللهم إلا في إطار إعادة قراءتهما بما توافر من معارف العصر؛ وإنما يعنون الأصول الاجتهادية التي استنبطها العلماء . ومع ذلك فإن مسارات الإصلاح في الأصول لاتزال حذرة لخطورة الإقدام عليها. يقول الدكتور جمال عطية: " والواقع أننا كنا بدأنا منذ أكثر من عشرين عاما[13] الكتابة في تجديد أصول الفقه ، واعترض البعض بأن الأصول ثابتة لاتتغير. ومع ذلك فإن هذا الموضوع ما زالت تتنازعه اتجاهات مختلفة، ولم ينضج بعد حتى يمكن الحديث فيه... والحقيقة أن العلاقة بين التجديد في (الفقه) وبين التجديد في (أصول الفقه) علاقة وثيقة . فالتجديد في الفقه يقوم على التجديد في أصول الفقه، بمعنى أنه إذا كان هناك تجديد في أصول الفقه فإنه ينبني عليه بطبيعة الحال – تجديد الفقه ، واجتهاد جديد وفقا للمناهج الجديدة التي توضع لأصول الفقه. وسوف يكون لهذا أثره في المادة الفقهية. ولكن التجديد في أصول الفقه قد يطول انتظاره حتى تتم بلورته ووضع القواعد المتعلقة به وفهمها . ثم تطبيقها في الفروع إلى أن نصل إلى فقه جديد مبني عليه"[14] وقد صدق توقع الدكتور عطية ، فما زال موضوع التجديد في أصول الفقه يراوح مكانه ، بالرغم من أن المستجدات والقضايا التي طرأت في المجتمع جعلت كثيرا من العلماء والمفكرين والأصوليين، يحاولون طرق هذا الموضوع ولكن بحذر مخافة حدوث اضطراب في القناعات التي قامت عليها الحضارة الإسلامية على طول مسيرة التاريخ الإسلامي. وبسبب الحذر من أن يتبنى هذا الموضوع غير أهل التخصص فيوجهونه وجهة تخالف المقاصد الشرعية الكلية.
ومع هذا الحذر فإن المحاولات التي تطرقت لهذا الجانب يمكن استعراضها في المسارات الآتية:
المسار التجديدي:
لم يقف علم أصول الفقه عند المحطة التي بلور فيها الإمام الشافعي أسسه وأركانه، بل ظل العلماء يراجعونه ويطورونه ويعيدون ترتيب مناهجه كلما دعت الحاجة ، ونجد لمسات الأئمة واضحة في هذا المجال كإمام الحرمين الجويني (ت 478هـ) والإمام الغزالي (ت 505هـ ) والعز بن عبدالسلام (ت 660هـ ) والقرافي ( ت 681هـ ) وابن تيمية (ت 728هـ) وابن القيم (ت752هـ ) والشاطبي (ت 790هـ ) فكل هؤلاء وغيرهم ساهموا في تجديد علم الأصول بصورة أو أخرى فمثلا نجد الإمام الغزالي "ركز المباحث الأصولية في أربعة أقطاب:
القطب الأول: "الثمرة" وهي الحكم،لأن الأصول قواعد يتوصل بها إلى استنباط الأحكام من الأدلة.
القطب الثاني: " أدلة الأحكام " وقد حصرها في الكتاب والسنة والاجماع والعقل والاستصحاب، ثم عرض ماسواها من الأدلة المختلف فيها لكنه سماها بالأدلة الموهومة.
القطب الثالث: هو "كيفية استثمار الأحكام من الأدلة " وجعل هذا القطب في مقدمة تتناول مبدأ اللغات ومايتصل بذلك من تقسيم الأسماء إلى لغوية وعرفية وشرعية، وماهية الكلام المفيد، وطرق فهم المراد من الخطاب ، والحقيقة والمجاز ، ثم بحث النظر في الصيغة وهي متن الكلام: المجمل والمبين ، والظاهر والمؤول، والأمر والنهي ، والعام والخاص، ثم بحث مايعتبر من الألفاظ من حيث الاقتضاء ، والإشارة وفهم التعليل ، وفهم غير المنطوق ، والمفهوم، وأخيرا كيفية الاستثمار من الألفاظ وبحث فيه القياس ، وهنا قد نقف لنشير إلى أن الإمام الغزالي لم يعتبر القياس دليلا مباشرا كغيره من الأصوليين وإنما أدخله في باب استثمار الأحكام من النصوص ، وهذا لايؤثر في وضعية القياس كمصدر اجتهادي ؛ إلا أنه نحا به نحواً آخر من حيث أنه محمول على النص وليس بمستقل عنه.
القطب الرابع: " حكم المستثمر وتناول فيه الاجتهاد والاستفتاء والتقليد والترجيح"[15] ومما لاريب فيه أن مساهمة الغزالي كانت مهمة في وقتها بل ما زالت تثمر حتى في عصرنا الحاضر. والعز بن عبد السلام كانت مساهمته في تجديد الأصول مركزة على المصالح حيث تناول الآتي:
1- تأصيل المصالح
2- تقسيم المصالح والمفاسد
3- تفاوت المصالح والمفاسد.
4- منهجية التمازج بين النظر الفقهي والأصولي في تناول نظرية المصالح.[16] وبرزت أهمية المصالح في هذه الحقبة من تاريخ الإنسانية؛ التي كثر فيها التساؤل عن دور الدين في تلبية مطالب البشرية.
وشيخ الإسلام ابن تيمية اهتم في منهجه التجديدي بالمقاصد، التي طورها لاحقا الإمام الشاطبي، وكساها ابن عاشور ثوبا جديدا أبرز ديباجة الإسلام, وتميز منهج ابن تيمية في التعامل مع الأدلة الأصولية بعدم مناقشة الدليل كما يعرضه الأصوليون مناقشة أصوليّة؛ بل إعادة توجيه معنى الدليل، فتحرير المعنى المقصود من الاستصحاب، أو عمل أهل المدينة، هو الشغل الشاغل عند ابن تيمية، ولذلك يمكن القول بـأنه يأخذ بهذه الأدلة وِفق تصوره وفهمه هو للدليل، وليس بالضرورة أن يأخذ به وفق فهم غيره[17] ولعلّ هذا هو الذي جعله يُعطي مقاصد الشريعة اهتماماً بالغاً، يظهر ذلك من خلال أبحاثه الكثيرة التي ضمّنها كتبه، ومما يدل على اهتمامه بالمقاصد الآتي:
أولاً: أنه يجعل العِلم بمقاصدَ الشريعةِ من خاصة الفقه في الدين، وفي ذلك يقول: "ومن أنكر أن يكون للفعل صِفات ذاتيّة لم يَحْسُنْ إلا لِتَعَلُّق الأمر به، وأن الأحكام بمجرد نسبة الخِطاب إلى الفعل فقط، فقد أنكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد، والمعروف والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعِللها وأنكر خاصة الفقه في الدين الذي هو معرفة حِكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها.."[18] ويبيّن ضرورة معرفة المقاصد لتمييز صحيح القياس من فاسده بقوله: "لكن العِلم بصحيح القياس وفاسده من أجلّ العلوم وإنما يَعرِفُ ذلك من كان خبيراً بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمّنتهُ من مصالح العِباد في المعاش والمعاد وما فيها من الحِكمة البالغة والرحمة السابغة والعدل التام.."[19]
ثانياً: أنه ذكر المقاصد الخمسة التي يذكرها الأصوليون عادةً واستدرك عليهم فيها حيث يقول: "..ورأوا أن المصلحة نوعان: أخرويّة ودُنيويّة؛ جعلوا الأخرويّة ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحِكم، وجعلوا الدُنيويّة ما تضمّن حفظ الدِّماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عمّا في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها كمحبته وخشيته وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته وغير ذلك من المصالح في الدنيا والآخرة .."[20]
ثالثاً: أنّه عالج مسائل ذات أهميّة في مقاصد الشريعة؛ مثل مسألة الحيل، وسد الذرائع، وتعليل الأحكام.
رابعاً: أنّه كثيراً ما يستخدم المصلحة في كلامه ويبيّن القواعد المُهمّة فيها، ويبيّن ما يترجّح منها وطريقة الترجيح، والميزان المعتبر فيها، وأهميّة الدراية بالمصالح والمفاسد في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبيّن وجه اختلال المصلحة[21].
خامساً: ذِكره لبعض مقاصد التشريع وحكمه مثل: مقصد الولاية ومقصد مخالفة المشركين ومقصد الجهاد وغير ذلك من الحكم الدقيقة، والمقاصد النافعة الذي بينها من خلال كلامه[22] وهذا يفتح الباب واسعاً لقراءة الأدلة وفق مقاصد الشرع وتطور الواقع، وبهذا يكون ابن تيمية رائد الاجتهاد المقاصدي في عصره.
والذي أهّله لذلك هو تميّزه بصفاتٍ قَلّما تجتمعُ في شخصٍ واحد منها: أنه يمتلك حافظة واعية مكّنته من حفظ النصوص بأسانيدها مع عُمق في التفكير وحضور للبديهة، وأبرز صفاته استقلاله الفكري قال البزار: "وهذا أمر اشتهر وظهر فإنّه رضي الله عنه ليس له مصنف ولا نص في مسألة ولا فتوى إلا وقد اختار فيه ما رجّحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرى قول الحق المحض فبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة"[23] " ونستطيع أن نقول : " إن سمات آرائه الأصولية يمكن تجميعها فيما يلي:
1- الحرية في النظر الأصولي وعدم التقيد بمذهبية بإطلاق.
2- الاعتماد على الكتاب والسنة في التنظير الأصولي.
3- التوفيق بين الثنائيات المتقابلة : العقل الصريح والنقل الصحيح، والحقيقة والشريعة.
4- البرهنة والاستدلال على القواعد الأصولية.[24]
والإمام الشاطبي : إبراهيم بن موسى بن محمد أبو إسحاق الشهير بالشاطبي (ت790) صاحب الموافقات ، والاعتصام ، والإفادات والإنشادات وغيرها من التصانيف العالية التي تتسم بالسعة والشمول والعمق، كما تتسم بالتنوع ، وبهذا فهي تعكس المقدرات الفريدة لهذا الإمام العبقري النابه.. وتجديدات الإمام الشاطبي في علم الأصول .. تجديدات كثيرة وعديدة، ومده فيها واسع ومتقدم ، ولئن تركز دور الإمام الشافعي في تدوين علم الأصول وجمعه وتحريره وتنقيح ينابيعه ؛ فقد لحقه في هذا الإمام العظيم بدور كبير في زمنه اللاحق في القرن الثامن الهجري حيث جدد في هذا العلم تجديدا قد يصل إلى حد التأسيس في بعض جوانبه[25] وقد تعرض الدكتور خليفه بابكر في بحثه القيم الموسوم بـ" التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة" لأهم جوانب التجديد عند الإمام الشاطبي تحت العناوين التالية:
وفي العصر الحديث ظهرت أطروحات تدعو لتجديد أصول الفقه وهي تتراوح "بين الدوافع الفكرية سواء كان مبعثها مبعثاً اجتماعيا أوسياسيا، وبين الدوافع الأكاديمية التي تدور في باب تصنيف علم الأصول وترتيبه وتوسيعه وتوضيحه ، وبين الدوافع المنهجية التي تعنى بتمحيصه وتحريره مع الترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون[27] وإعادة هيكلته من جديد بصورة تتلاءم مع مقتضيات العصر[28] وبين الدوافع المذهبية بالاتجاه إلى قواعد السلف وماكان عليه الأئمة المحققون[29]
المسار التأسيسي :
وهو يهدف إلى تأسيس منهج أصولي جديد يتجاوز الجدل اللفظي والإيجاز الذي يشبه الألغاز، وسماه الدكتور خليفة بابكر بالاتجاه الأكاديمي ويمثل هذا المسار عدد من العلماء منهم: الدكتور محمد سعيد الدسوقي، والدكتور علي جمعة ، والدكتور جمال الدين عطية – في بعض آرائه - وقد اقترح الدكتور محمد الدسوقي قيام دعائمه على الآتي :
1- تجنب الاجترار والتقليد.
2- الفقه الدقيق بمصادر الأحكام .
3- الفقه الدقيق للمقاصد العامة للتشريع الإسلامي.
4- الربط بين قضايا علم الأصول وعلم القانون .
5- الربط بين قضايا الأصول ومناهج البحث. [30] ولخص أهم الخطوط العريضة للاتجاهات الرامية إلى تجديد أصول الفقه في أهمية إلغاء ماليس من علم الأصول، وضرورة تدريس المقاصد الشرعية بصورة وافية، وتطوير مفاهيم بعض الأدلة، وربط القواعد بالفروع ما أمكن، وبذلك يكون الدكتور الدسوقي قد شمل بمشروعه التجديدي، الجوانب المنهجية والموضوعية في أصول الفقه ، فمنهجه الأكبر توجّه إلى ضرورة الالتفات لهموم المجتمعات المسلمة المعاصرة حتى لاتكون المباحث الأصولية في واد والواقع الذي ننظر إليه في واد آخر.[31]
كما يدعو هذا المسار لربط القواعد الأصولية بالفروع التطبيقية، ويقترح الدكتور علي جمعة في هذا الصدد إدخال القواعد والفروق في علم الأصول لإثراء جانب التطبيق .. كما دعا إلى ضرورة استفادة علم الأصول من العلوم الاجتماعية المعاصرة.[32] ويوافق على ذلك الدكتور شعبان محمد اسماعيل فيما يتعلق بمقاصد الشريعة خاصة حيث يرى دمج نظرية الشاطبي في المقاصد مع أصول الفقه.. أما الدكتور جمال الدين عطية فقد اقترح صياغة مباحث علم الأصول بتبويب جديد يتسم بالسهولة وإعادة تقسيمه بحيث يتسع للتفريق بين المصادر الموضوعية ، والوسائل الاجتهادية ، وصنف المصادر الموضوعية إلى "النقل ويشمل الكتاب والسنة وشرع من قبلنا، و"أولي الأمر" ويدخل فيه الاجماع ، والاجتهاد ، و"الأوضاع القائمة" ويشمل ذلك العرف ، والاستصحاب ، والعقل ، والبراءة الأصلية[33]
أما مباحث العلم الشرعي فيقسمها من حيث النطاق إلى النطاق الشخصي والنطاق المكاني والنطاق الزمني ويدرج في كل واحد منها الموضوعات الصالحة له، ومن خلال ذلك يحاول تجاوز بعض التداخلات بين الموضوعات التي لاحظها على التقسيم الحالي لعلم الأصول[34]
المسار المنهجي :
ويتلخص في الدعوة لتوسيع مفهوم الاجتهاد، وتحويل الاجماع والاجتهاد والشورى إلى مؤسسات ، ولعل هذا تمثله المجامع الفهقية التي انتشرت مؤخرا في البلدان الإسلامية؛ حيث تحوَّل الاجتهاد من عمل فردي إلى اجتهاد جماعي ، ومنهجية ندوة تطوُّر العلوم الفقهية في سلطنة عمان؛ تُعدُّ رائدة في هذا المجال، حيث اتبعت منهجا يتناول في كل ندوة موضوعا محددا يُدعى إليه العلماء من كل المذاهب والمدارس الفقهية، فيقدمون بحوثهم في الموضوع كلٌّ من الزاوية التي تمثل قناعاته ومنهجيته، وهذا من شأنه أن يفتح الباب للدراسات المقارنة التي تتناول الموضوع من كل جوانبه، من زوايا متنوعة تحقق النضج والإحاطة المعقولة للمواضيع المطروحة. ويقترح الدكتور خليفة بابكر حسن؛ نقاطا مهمة في هذا الجانب تحكم المسار المنهجي لإصلاح الأصول هي:
1- تدريس مباحث الحكم الشرعي لطلاب كليات الحقوق مع المقارنة بين تعريف الحكم الشرعي والقاعدة القانونية من حيث المنبع والخصائص، مع بيان اتساع الحكم الشرعي وتدرجه كما يمكن التمييز في هذا الاطار بين الحكم الشرعي الواجب ديانة والواجب قضاء ، والواجب ديانة فقط.
2- المقارنة بين فكرة النظام العام في القانون وتقسيمات الأصوليين للمحكوم فيه، وهو فعل المكلف الذي يتعلق به التكليف من حيث أنه إما أن يكون حقا خالصا لله أو حقا خالصا للعبد، أو حقا مشتركا مع غلبة حق الله، أو مشتركا مع غلبة حق العبد، وبسط القول في ذلك بالطريقة التي تكشف عن ثراء وسعة أصول الفقه في هذا الجانب كما يمكن المقارنة بين فكرة التكليف الشريعة، والمسؤولية في القانون ، واتساع فكرة التكليف التي تتعدى الدنيا إلى الآخرة .
3- في مباحث تفسير النصوص لابد من تركيز فكرة التفسير في صدر الجزء المخصص لذلك من أجزاء أصول الفقه ، مع بيان دور اللغة العربية والمنطق في تلك المباحث، وإعطاء لمحة تاريخية عن تفسير الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين لتفسير النصوص وطريقتهم في ذلك ، ثم تأتي – بعد ذلك – الدراسة الموضوعية لكل باب من أبواب التفسير، على أنه لابد من أن يفرق بين وظيفة تلك القواعد كقواعد لفهم النصوص ووظيفتها كقواعد للتطبيق، ثم لابد من إجراء دراسة تحليلية للقوانين المطبقة في إطار قواعد التفسيرببيان النص العام في النص القانوني والخاص فيه ، وكيف يخصص العام؟ والمطلق والمقيد ومتى يتم التقييد؟ واستخراج أنماط لمفاهيم موافقة ومخالفة ودلالة عبارة، وإشارة واقتضاء، وغير ذلك من جوانب المباحث الخاصة بتفسير النصوص وهي كثيرة.
4- في باب المصالح المرسلة لابد من إيراد نماذج معاصرة لاجتهادات اعتمد فيها على هذا المصدر الاجتهادي إذا كانت المسائل التي تتناولها لايشملها نص خاص من نصوص الشريعة، وفي ذلك فائدة من حيث ربط تلك التنظيمات بالشريعة باعتبار أنها تدابير اقتضتها مصالح الناس، وأوجبتها مقتضيات تنظيم حياتهم.[35]
ويضيف أهمية كتابة مقدمات تاريخية تكشف عن المراحل التي مر بها علم أصول الفقه ، والتطور الذي لحق به في صياغته وأسلوبه منذ تدوين الإمام الشافعي له في القرن الثاني، وتطعيم الإمام الغزالي له في القرن الخامس بالمنطق الأرسطي الذي أثر في كتاباته في المراحل اللاحقة ، مع التوضيح أكثر لطبيعة استخدام علم الأصول في عصر الاجتهاد، وطبيعة استخدامه في عصر التقليد؛ عن طريق الرصد التاريخي المتبوع بالاستدلال والتطبيق الذي يكشف بدقة طبيعة الاستخدام. وعند دراسة الاجتهاد لابد من تأكيد فكرة الاجتهاد والتكليف به في الشريعة الإسلامية، مع ضرورة عرض فكرة التلاقي بين الوحي والعقل البشري؛ بمنهجية واضحة، وثابتة، ومقننة ؛ يفرق فيها الثوابت التي لايطولها الاجتهاد، وبين المتغيرات التي يلاحقها الاجتهاد بالبحث والمتابعة والكشف.
ويختم دكتور خليفة رؤيته الجيدة بقوله: " فقد تقود الاعتبارات التجديدية، والحاجات الزمنية في المستقبل ؛ إلى ظهور أصول الفقه المتخصص: كأصول فقه الاقتصاد، وأصول فقه السياسة والحكم، وأصول فقه العلاقات الدولية، وأصول فقه الأسرة، وأصول فقه القضاء، إلى غير ذلك من الروافد التي تدعو الحاجة إلى التوسع في دراسة أصولها بسعة وإبانة، وبطريقة يتمازج فيها أصول الفقه الحالي والقواعد الفقهية بما يرسي مناهج هذه العلوم في إطار من النظر المنهجي الدقيق والمباشر، والتطبيق العملي المبين والكاشف"[36]
المسار الفكري:
الفكر الإسلامي وثيق الصلة بعلم الأصول لأن عقلية المفكرالمسلم تشكلها الأصول والمبادئ الإسلامية، والقواعد والمقاصد الشرعية، ومن أبرز المفكرين الذين تحدثوا عن التجديد؛الإمام الصادق المهدي، والدكتور طه جابر العلواني، والدكتور حسن الترابي، والدكتور محمد عابد الجابري ، والشيخ راشد الغنوشي وآخرون، وأذكر هنا نموذجي الإمام الصادق المهدي، والدكتور حسن الترابي؛ بسبب عدم معرفة الكثيرين باجتهادهما، ولتميُّزهما بأنهما يقودان جماعتين حركِيَّتَين لهما وجودهما في أرض الواقع.
أولا: الإمام الصادق المهدي[37]:
نشر أفكاره التجديدية في كثير من المؤلفات وخلاصتها: "أن التكاليف الإسلامية قسمان: قسم يتصل بالعبادات، وهو تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، والأصل في هذا القسم التعبد، و النصوص فيه غير معلّلة في جملتها، وعلى وجه التحقيق؛ لا يلتفت الشخص في العبادات إلى البواعث والغايات التي من أجلها كانت وتبنى عليها اشباهها. فلا يفرض المكلف على نفسه عبادة لم يفرضها الشارع، بحجة اتحادها مع ما نص عليه في الباعث الملتمس أو الحكمة المناسبة. ومع ذلك المنع فإنه من الواجب على المسلمين الإيمان بأن هذه التكاليف في مصلحة الإنسان وإن كان ليس له أن يشرع بالحكمة أو المصلحة أو البواعث مثلها. بل عليه أن يقف فيها عند النصوص وما تشير إليه وما يحمل عليها من غير تزيد.
والقسم الثاني من التكاليف ما يتصل بمعاملة بنى الإنسان بعضهم مع بعض، وهو ما يسمى في اصطلاح الفقهاء بالعادات. فإن الأصل في ذلك القسم هو الالتفات إلى المعاني والبواعث التي شرعت من أجلها الأحكام، وذلك باتفاق الفقهاء. فإن التكاليف في هذه الأمور إنما كانت لتكوين مدنية إسلامية فاضلة أساسها العدل والمساواة والفضيلة"[38].
كانت المذاهب الإسلامية استجابة صادقة لاستنباط أحكام الشريعة في بيئات فكرية واجتماعية متنوعة.
هكذا نجد أن تاريخنا حافل باستجابات متنوعة لقضايا التجديد والتحول الاجتماعي؛ استجابات بعضها إصلاحي، وبعضها ثوري، وبعضها إلهامي، وكلها لعبت دورا في تكوين التاريخ الإسلامي ثم اختفت رويدا رويدا ليحل محلها التقليد والجمود.
هذا الجمود كرسته أربعة عوامل هي:
الأول: الجمود الفكري الذي حجر الاجتهاد على أئمة المذاهب الأربعة وصنف الفقهاء على سبع طبقات تبدأ بالأئمة المجتهدين وتنزل درجة درجة حتى تنتهي إلى طبقة المفكرين وهي الطبقة السائدة منذ القرن الخامس الهجري.
الثاني: انحسار الشورى من نظام الحكم في العالم الإسلامي، ووقوع الأمة في قبضة الاستبداد السياسي.
الثالث: زوال العدالة الاجتماعية من الممارسات الاقتصادية، والفصل بين العمل والملكية مما جعل الحياة الاقتصادية تقوم على الاستغلال أو الأنانية.
الرابع: انطواء الحياة الاجتماعية في سلبية الطرق الصوفية؛ التي منحت الناس بعض الترويح الروحي وصرفتهم عن إيجابية التصدي للإصلاح السياسي والاجتماعي.
هذه العوامل عززت بعضها بعضا وأكسبت المجتمع الإسلامي صفات الترهُّل والاتكال التي نسبها ماكس ويبر خطأ للإسلام نفسه.[39] يقول: " إن واقعنا السياسي يعاني من تراث الاستبداد القديم الذي عبّر عنه كثير من الفقهاء على حد مقولة ابن حجر العسقلاني : " وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه" هذا التراث القديم خلّف ذهنية قابلة للاستبداد"[40] ويقول:" الثقافة الغالبة على مجتمعاتنا الإسلامية هي التي جعلت الاستبداد ممكنا بل مروعا. إنها ثقافة طردت الحرية وغيّبت العقل البرهاني وجعلت الاجتهاد في الدين مستحيلا. ثقافتنا السائدة جعلت اجتهادات السابقين وهي اجتهادات إنسانية، مقدسة بقدسية نصوص الوحي. هذا معناه أننا جعلنا الحاضر والمستقبل حبيسا الماضي، فإن أبقينا على هذا الواقع الثقافي لايرجى أن نحقق إصلاحا سياسيا أو إقتصاديا أو اجتماعيا؛ لأن كافة هذه الإصلاحات سوف تصطدم بالحائط الثقافي"[41]
ويرى أن فكرة تقديس اجتهادات الأقدمين انطلقت من نصوص الوحي وبموجب المنطق الصوري المعتمد على الاجماع والقياس، فصلت ثوبا عريضا صالحا لكل زمان ومكان ؛ باعتباره يمثل إرادة الله لخلقه. مع أن الأئمة المتبوعين أنفسهم نفوا أي تقديس لاجتهاداتهم؛ فأبوحنيفة عندما أفتى قال له أحد الحاضرين: " أهذا هو الحق الذي لاشك فيه"؟ قال له الإمام: " وقد يكون الباطل الذي لاشك فيه" ورفض الإمام مالك الزام المسلمين بالموطأ عندما طلب منه الخليفة ذلك، وقال الإمام أحمد بن حنبل : " من قلة فقه الرجل أن يقلد الرجال في دينه"
يرى أن الحاجة لاجتهاد جديد توجبه القضايا المعاصرة التي شكلت تحديا كبيرا يواجه المسلمين، فضلا عن المعارف الجديدة التي توجب قراءة جديدة للقرآن الكريم والسنة الشريفة ويقترح آليات جديدة للاجتهاد هي:
1- المقاصد : فلدى التعارض بين نصوص الجبر والاختيار فإن مقاصد الشريعة ترجح أن تكون آيات الاختيار هي المحكمة ؛ لأن إنكار الاختيار يهدم مسؤولية الإنسان عن أعماله ، وهذا يهدم الأخلاق.
2- الحكمة : في كثير من النصوص يذكر الكتاب والحكمة ، وهي ملكة متاحة للرسل ولغيرهم من البشر. قال تعالى : " يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ..." [البقرة: 269]
3- المصلحة : يقول نجم الدين الطوفي إن المصلحة مرجعية راجحة في الشريعة ؛ لأنها تنشد: لاضرر ولاضرار.
4- العقل: على حد تعبير الإمام الشاطبي : فإن مطالب الشريعة لاتناقض مدركات العقول.
5- العدل : قال الإمام ابن القيم : كلما تحقق به العدل هو من الشرع وإن لم يرد به نص.
6- السياسة الشرعية : وهذه تمكن قيادة المجتمع الشرعية أن تتخذ سياسات لم يرد بها نص ولاقياس ولا إجماع مثل ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه من توحيد نص المصحف، وإحراق النصوص الأخرى . ومافعله عمر رضي الله عنه من عدم توزيع أرض السواد غنيمة للمجاهدين وهلم جرا.
7- المعرفة : الاعتراف بالمعرفة التي يدركها الإنسان عن طريق العقل ، والتجربة ، والحواس ، في أمر الكتاب المشاهد ، أي الطبيعة التي فطرها الله على سنن وقال: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى" [طه:50] وقال : ") وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ " [الذاريات: 20-21]
ويخلص إلى القول: "استخدمت هذه الوسائل في اجتهاداتي وكانت النتيجة طائفة من المؤلفات أذكر منها: العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي – جدلية الأصل والعصر- الدولة في الإسلام المرأة وحقوقها في الإسلام إلى آخر القائمة التي عبر كتب ورسائل ومحاضرات زادت عن مائة مداخلة في كافة قضايا الفكر في الساحة ..التي نحتاج فيها لمراجعات مفهومية وسياسية واقتصادية واجتماعية، ودعوية، وخارجية ( أي ضبط علاقتنا بالخارج) وأؤكد أن عافية حاضرنا ومستقبلنا رهين بتلك المراجعات التي تؤدي للصحوة الثقافية"[42].
هذا المنهج التجديدي الذي سلكه الإمام الصادق المهدي اعتمد على آليات اتفق فيها مع علماء سابقين؛ مثل المقاصد، والمصلحة، والسياسة الشرعية، وكذلك العقل عند المعتزلة ونوعا ما عند الغزالي، وإن كان طرحُ الإمام الصادق لها يأتي في نطاق أوسع يشمل كافة جوانب المعاملات. وأما الآليات الجديدة المتمثلة في الحكمة والعدل والمعرفة فتحتاج إلى تحرير معانيها، وضبط مفهومها، وبلورة مضامينها، ونطاق تطبيقها؛ حتى تصبح آليات محكمة تصلح للتطبيق المعرفي في المجالات المذكورة.
ثانيا: الدكتور حسن الترابي:
وتتلخص أطروحة الدكتور حسن الترابي في الآتي:
1- أن أصول الفقه وقفت فيه حركة الابداع مع توقف حركة الفقه، وبالتالي غدا مقولات نظرية عقيمة.
2- أن أصول الفقه لم يكن مؤهلا أصلا لمعالجة القضايا التي يواجهها الناس في العصر الحديث ؛ لأنه كان يدور في القضايا الفردية والخاصة، والقضايا المطروحة اليوم قضايا عامة .
3- أن إهتمام الأصول كان في غالبه بجوانب التفسير، لأن مايجري فيه الاجتهاد من القضايا الخاصة غالبها وردت فيه نصوص.
ثم عزز ذلك بالحديث عن تاريخ أصول الفقه وأن الفترة التي حدث فيها اهتمام بالقضايا كان عهد سيدنا عمر – رضي الله عنه- الذي أثرت عنه اجتهادات كثيرة عالج من خلالها قضايا إدارية وسياسية، وقد ورث هذا المنهج عنه أهل المدينة والإمام مالك، لكن سرعان ماتوقف هذا المنهج ؛ لأن مركز السلطة انتقل من المدينة إلى العراق ، أما العراق نفسه فقد كان فيه حركة حياة وعمران ونشاط للمنهج الأصولي ؛ إلا أن العراقيين حصروه في القياس كما أن القياس نفسه حاصروه بالضوابط الدقيقة ، وحتى الاستحسان الذي جاء لمعالجة القياس هاجمه بعضهم حتى أردوه قتيلا في مهده – حسب تعبيره – وبذلك آل الأصول إلى الجمود بعد أن تطور وذلك بفعل انحطاط الدين في حياة الناس ، ثم دعا للأصول العامة وهي المقاصد والقياس الواسع والاستصحاب وأن يكون ذلك من خلال الشورى ، كما دعا أن يكون الإجماع إجماع الأمة لا إجماع أهل الحل والعقد وحدهم[43]
ويمكن صياغة المقترحات التجديدية التي دعا إليها في الآتي:
المحور الثاني: مسارات الإصلاح في الفقه
الجانب الفقهي حظي باهتمام أكبر من الجانب الأصولي، والدراسات في مجال الاصلاح الفقهي تمثلت في الجهود الفردية التي قام بها العلماء أمثال ابن تيمية ، والغزالي ، والقرضاوي والزحيلي؛ والجهود المؤسسية التي قام بها الأزهر والمجامع الفقهية، فضلا عن الموسوعاة التي صدرت وأبرزها الموسوعة الكويتية وغيرها من الجهود التي تناولت الجانب الفقهي، وسأتناول في هذا البحث بعض المسارت الاصلاحية في مجال الفقه، وهي:-
المسار التأصيلي:
وأعني به مسار تأصيل مسائل الفقه وإبراز أدلتها من الكتاب والسنة، لقد سارت معظم كتب الفقه مسارا يذكر المسائل الفقهية دون أدلتها ، وجاءت الشروح كذلك ، والإمام ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد؛ أعطى الأدلة حقها مع المقارنة بين المذاهب الفقهية، وكذالك الصنعاني في كتابه سبل السلام، وفي عصرنا الحديث حاول العلماء إبراز أدلة الفقه في مؤلفاتهم، ويُعدُّ كتاب: "فقه السنة" لسيد سابق كتابا متميزا سهل العبارة ، مع إيراد الأدلة المقنعة، اعتمد فيه على الكتاب والسنة بصورة أساسية ، وسار على النهج نفسه آخرون، وجاء كتاب الفقه الإسلامي وأدلته لشيخنا الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي؛ كتابا متميزا اعتمد على استنباط أحكامه من مختلف مصادر التشريع الإسلامي النقلية والعقلية (الكتاب والسنة والاجتهاد بالرأي المعتمد على روح التشريع الأصلية العامة)[48] فقد أصل فيه للمسائل الفقهية تأصيلا مقنعا وقارن فيه بين المذاهب الفقهية الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، بأسلوب سهل وتبويب مريح ، ومع أن الكتاب اعتمد على المذاهب الأربعة إلا أن مؤلفه عرف بالمذاهب المتبوعة الظاهرية والزيدية والإمامية والاباضية وذكر بعض أصولها ونقاط الاختلاف بينها وبين المذاهب السنية ، واجتهد لتأصيل المسائل الفقهية وإبراز أدلتها من الكتاب والسنة وبقية المصادر، ولا شك أن هذا الكتاب يُعدُّ إضافة للمكتبة الإسلامية لايستغني عنه طالب العلوم الشرعية وكذلك القضاة وأهل الإفتاء وعامة الدعاة. والشيخ القرضاوي في كتابه الحلال والحرام في الإسلام وفي فتاويه أصل تأصيلا جيدا للمسائل الفقهية ، وسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه الفتاوى أصل لكل المسائل التي تضمنها الكتاب ، ولاشك أن التأصيل للمسائل الفقهية يجعل المسلم مطمئنا لأعماله ومواقفه.
المسار التجديدي:
لقد واجهت العلماء مسائل جديدة فرضت عليهم الاجتهاد لبيان الحكم الشرعي في كافة القضايا التي استجدت في حياة الناس، وهي كثيرة ومتشعبة منها مايتعلق بالأفراد، ومنها مايتعلق بالدول، ومنها مايعلق بعلاقة المسلم مع الآخر الملي، وعلم الفقه هو الذي "يضبط حياة الفرد المسلم، والجماعة المسلمة، والأمة المسلمة؛ بأحكام الشرع، سواء منها مايختص بالعلاقة بينه وبين الله تعالى ، وهو ماينظمه فقه العبادات، أم مايتصل بالعلاقة بين المرء ونفسه ، وهو ماينظمه فقه الحلال والحرام ، وأدب السلوك الشخصي ، أم مايتصل بالعلاقة بينه وبين أفراد أسرته وهو فقه الأسرة من الزواج ومايترتب عليه ، أو مايسمى (الأحوال الشخصية) أم مايتعلق بتنظيم المبادلات والعلاقات المدنية بين الناس بعضهم وبعض ، وهو مايسمى (المعاملات) ويدخل في القانون تحت اسم (القانون المدني) أم مايتصل بالجرائم والعقوبات وهو ما يسمى في الفقه (الحدود والقصاص والتعزير) ويدخل في القوانين تحت عنوان (التشريع الجنائي) أم مايختص بالصلة بين الدولة والشعب، أو بين الحاكم والمحكوم ، وهو مايسمى (بالسياسة الشرعية) ويسمى عند القانونيين (القانون الدستوري) أو (الاداري) وهناك أيضا الجهاد والسير ومايدخل تحت اسم (العلاقات الدولية)[49] هذا القضايا تناولها الفقه قديما ولكنها تحتاج إلى صياغة جديدة ميسرة تلائم طبيعة الإنسان المعاصر " فتجديد الدين إنما يعني نصب ما اندرس من معالمه وإظهار ماخفي من حججه ودلائله ، والكشف عما انكتم من جماله واعتداله وتقوية أثره في حياة الناس الفكرية والعملية والأخلاقية. ومن المعلوم أن الفقه في الدين هو أيضا بحاجة إلى تجديد في كل عصر بهذا المعنى ، وهو تحقيق مسائله وربط فروعه بأصوله وتحرير ما التبس من حججه ودلائله ، وبحث مالم يتطرق بالبحث من مستجدات القضايا ، إذ ليس من المعقول أن يجمد الفقهاء على اجترار ماسبق بحثه من مسائل لاداعي إلى تناولها بالبحث في هذا العصر ، كقضايا الرق والمكاتبة ، ويدَعوا بحث ماهو مطروح على الساحة كالحوالات البنكية وبطاقة الائتمان والاتجار في الأسهم وأطفال الأنابيب ونقل الأعضاء وأمثالها ، إذليس مايدرس لمجرد التنظير كالذي يدرس من أجل الحاجة إليه في العمل والتطبيق "[50]
المسار التيسيري:
شريعة الإسلام من خصائصها التيسير باعتبارها شريعة الرسالة الخاتمة، والأدلة على ذلك معروفة ، والفقه باعتباره متعلقا بالأحكام العملية أحوج مايكون لمنهج التيسير لرفع الحرج والإصر والأغلال عن الناس ؛ وقد خطا الفقه المعاصر خطوات جيدة في مجال التيسير"وهو ما أخذت به وحققته الكتابات الفقهية المعاصرة، وإن كانت بعض المعاهد الشرعية ما زالت تدرس بعض الكتب التقليدية، التي طابعها التعقيد، ويرون في ذلك تدريبا للطلاب على الاتصال بالتراث، وهذا يمكن تحقيقه بجعل مقرر واحد في كل سنة للقراءة من كتب التراث، ومعرفة مصطلحاته لا أن تدرس جميع المقررات من كتب التراث"[51] والدكتور يوسف القرضاوي في بحثه القيم الموسوم ب"نحو فقه ميسر معاصر في أصول الفقه الميسر. فقه العلم" وضع مقترحات ممتازة لتيسير الفقه للفهم وتيسيره للعمل والتطبيق، ففي مجال التيسير للفهم؛ دعا إلى: مراعاة السهولة والتوسط ؛ بأن يكتب بلغة مبسطة وأسلوب سهل بعيد عن الإغراب في الألفاظ والتكلف في العبارات ، وتجنب وعورة المصطلحات الغامضة ، والتوسط بين الإيجاز الملغز والإطناب الممل، ومخاطبة العقل المعاصر باللغة التي يفهمها، واستخدام معارف العصر في بيان الحكم الشرعي، وربط الفقه بالواقع وحذف مالايتصل به، كما دعا لبيان أهمية معرفة الحكمة من التشريع وغيرذلك من الأساليب والوسائل التي تيسرالفهم للإنسان المعاصر.[52]
وفي مجال تيسير الفقه للعمل والتطبيق؛ بين الدكتور القرضاوي أن المقصود بالتيسير في هذا المجال؛ مراعاة جانب الرخص، ومراعاة الضرورات والظروف المخففة، واختيار الأيسر لا الأحوط ، والتضييق في الإيجاب والتحريم ، والتحرر من العصبية المذهبية، والتيسير فيما تعم به البلوى،ومراعاة المقاصد، وتطبيق قاعدة"تغيُّر الفتوى بتغير الزمان، والمكان، والحال،والعرف"[53] وجاءت كتابات الدكتور القرضاوي في هذا المجال تطبيقا لهذا المنهج، وهنالك كثيرون يتفقون مع القرضاوي في هذا المنحى.
المسارالشمولي:
هذا المسار يدعوا أصحابه لتطوير الفقه ليغطي كل المجالات؛ خاصة بعد بروز الحاجة لذلك في الواقع المعاصر، والدكتور جمال الدين عطية من المهتمين بهذا الجانب وقدم تصورا متكاملا لتجديد الفقه مادة وتنظيرا ومؤسسات؛ فحدد اثني عشر ملمحا يطالها التجديد؛ ففي مادة الفقه دعا إلى تقديم اجتهادات جديدة في المسائل القديمة ؛ بما يتفق مع تغير الظروف الزمانية والمكانية، ومثل لذلك بانبثاق مؤسسات اجتماعية للزكاة ، وتحويل زكاة الركاز إلى صندوق لتنمية العالم الإسلامي، وتطويرمؤسسة القضاء وكذلك الوقف ، وأثر نظرية الاستخلاف في الملكية والتكافل، وتطويرمؤسسة الخلافة ، وتطوير مؤسسة الاجتهاد وكذلك مؤسسة الشورى ومؤسسة الحسبة، وتطوير فقه المرأة بعد أن اختلف وضعها من حيث الاستطاعة والطاقة، وتطوير فقه الأقليات بعد اندماجهم في المجتمع، وتطوير النظرة إلى تقسيم العالم إلى دارين أوثلاث[54] وفي المسائل المستحدثة مثل الشخصية الاعتبارية، وبعض صور الشركات المستحدثة، والمؤسسات الفردية ، ومعاملات البنوك، والتأمين، والبورصات، ونقل الأعضاء؛ دعا للاجتهاد للتعامل معها. كما دعا لربط الأحكام بعضها ببعض، وربط الأحكام الجزئية بالمقاصد الكلية العامة للشريعة ولرسالة الإسلام ؛ ويوافقه في ذلك الدكتور وهبة الزحيلي فيقول: " وإنني بصراحة أدعو من زمان في تدريس الفقه إلى ربط الأحكام بمقاصد التشريع الكبرى ، وإدراك الغاية من كل حكم كربطها بالأدلة، ومعرفة الحكمة التشريعية، وتفتح الفقيه على المسائل المعاصرة"[55] وأهم ما دعا إليه الدكتور جمال عطية في نظري؛ ضرورة التوسع في مفهوم الفقه بحيث نعود إلى المفهوم اللغوي للفقه أو نقترب منه، ويعني بالمفهوم اللغوي للفقه الاستعمال القرآني لكلمة "الفقه" والتي كانت تطلق على مجموع العقائد والأخلاق إلى جانب العمل والمعاملات. فحصر الفقه في الجانب العملي عزل حركة المسلم عن أصول دينه، فاستقلت علوم العقائد والتصوف؛ واقتصر إطلاق كلمة (فقه) على مايتعلق بالأحكام العملية[56] واقترح الدكتور جمال الدين ربط العقيدة بالأحكام وبيان أثرها فيها، على نحو قريب من ربط الأحكام بالمقاصد، دون إدخال بحوث علم الكلام ضمن الفقه. وبالنسبة للأخلاق والآداب الشرعية والمقاصد والقواعد؛ فيقترح إدخالها ضمن الفقه بشكل كلي وجزئي حسب الأحوال، وبالنسبة للسياسة الشرعية فيقترح إدخالها برمتها ضمن الفقه ولكن وفقا للتقسيمات الحديثة في القانون العام، والاقتصاد، والمالية العامة، كما دعا لتوضيح الأحكام الشرعية الضابطة للعلوم الطبيعية والإنسانية، والاجتماعية المعاصرة لربطها بمظلة الفقه[57]
الخاتمة:
النتائج :
في بحثي لهذا الموضوع اطلعت على بحوث متعددة حسب ماسمح به الزمن وتيسر، ومن هذه البحوث بحث قيم بعنوان "التجديد والمجددون في أصول الفقه" دراسة موسعة لجهود المجددين، تأليف أبي الفضل عبدالسلام بن محمد بن عبدالكريم، دراسة تجاوزت الستمائة صفحة ، وهي دراسة شاملة ومعمقة ، وكذلك أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر القحطاني ، وتجديد الفقه الإسلامي للدكتورين جمال عطية ووهبة الزحيلي ، وبيان أثر التجديد والاجتهاد في تنمية المجتمعات الإسلامية المعاصرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ، ونحو فقه ميسر معاصر للدكتور يوسف القرضاوي، والتجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة ، للدكتور خليفة بابكر حسن ، فضلا عن بعض البحوث التي قدمت في ندوة تطور العلوم الفقهية التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان، وبالأخص بحوث ندوة الاجتهاد في الإسلام التي عقدت في عام 1419هـ 1998م وغيرها من البحوث التي أكدت إهتمام العلماء من الأصوليين والفقهاء والمفكرين؛ بموضوع الإصلاح والتجديد في الفقه والأصول، وخلص البحث إلى النتائج التالية:
أولا: موضوع الإصلاح والتجديد والاجتهاد؛ ظل محل إهتمام منذ عصر الخلافة الراشدة وإلى يومنا هذا، فالقضايا التي استجدت في حياة الناس أوجبت البحث عن حلول تستنبط من المصادر الشرعية للتعامل بها، صحيح أن الموضوع يتقدم حينا ويتراجع أحيانا، ولكنه لم يغب عن بال أهل الشأن من العلماء الذين يرجع إليهم عامة المسلمين؛ لمعرفة حكم الشرع في القضايا التي تواجههم ، "على الرغم من شيوع فكرة إغلاق باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع الهجري ومابعده إلى عصرنا الحاضر، بين أهل السنة ، من الناحية النظرية"[58]
ثانيا: دوافع الاجتهاد تتلخص في الحوادث التي تواجه المسلم فيسأل عنها المجتهدين ، أوالمتعلقة بالكليات الخمس وترتبط بها قضايا معاصرة ، كتحديد النسل، وقضايا التأمين على الحياة، والقضايا التي تتعلق بالتشريع والتقنين، والموازنة بين الطرق الخاصة بالاجتهاد التي تسع المجتهدين لتحقيق الغرض من مشروعية الاجتهاد، وهو إيجاد الحلول الشرعية على ضوء الأدلة من الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الإسلامية.[59]
ثالثا: الاتجاه الذي يدعو إلى الاجتهاد والإصلاح والتجديد صار غالبا بل ملحا لدي عدد من العلماء الذين يعتد برأيهم يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: " الضرورة بالغة في حياة الأمة إلى وجود العلماء المجتهدين؛ الذين جمعوا من علم المعقول والمنقول مايجلي لهم خفايا الأمور، ويبصرهم بحكم الأحكام وعلل التشريع ومقاصد الشرع حتى ينزلوا كل أمر منزله، ويعطى كل حادث حكمه... وإذا كان مكان هؤلاء في هذه الأمة مكان الروح من الجسد ومكان الملح من الطعام في جميع العصور، فإن عصرنا – الذي يتميز بسرعة التطور وبكثرة المشكلات وبروز قضايا لم تكن تدور على بال أحد في العصور السابقة – هو أحوج مايكون إلى هذا الصنف من الناس لتبصير عامة الناس بمواطئ أقدامهم حتى لايضعوها حيث الهلكة والبوار، فتبين بهذا أن الاجتهاد مطلب شرعي في جميع العصور".[60]
رابعا: مع بروز الحديث عن أهمية الاجتهاد وضرورته إلا أن الجهود المبذولة لتجديد أصول الفقه ظلت محدودة، ومع محدوديتها؛ فإنها تتناول الموضوع على استحياء ، ونتيجة لذلك "انفض كثير من الدارسين عن علم الأصول، وحصل لهم صدود كبير عنه لفرط صعوبته مع قلة جدواه؛ حيث لايوجد واقع اجتهادي يناسب المادة الأصولية. وهذا بالطبع يحجب عن العلم روح النمو والتجديد التي تنشأ من تداول العقول السديدة له وكثرة المباحثات والمطارحات"[61]
خامسا: انبتت الصلة انبتاتا شبه تام بين الجهد الأصولي والجهد الفقهي وهذه قمة المأساة؛ بل إن البقية الباقية من القواعد الأصولية الدائرة في كتب الفقهاء؛ إنما يتداولها الفقهاء بينهم منذ أزمنة طويلة، وهي إحدى الآثار المتخلفة عن عصور القوة؛ التي كان الأصولي فيها هو الفقيه، والفقيه هو الأصولي، فلما وجد متأخروا الفقهاء هذه القواعد في كتب أئمتهم جعلوا يتناقلونها فيما بينهم دون رجوع إلى كتب الأصول التي هي مظانها الأصلية.[62] وطبعا هذا هو الغالب، ومع أن هنالك محاولات لتصحيح هذا القصور إلا أنها تظل جهود فردية لم تتبلور بعد في منهج عام يلتزمة أكثر العلماء.
التوصيات:
1- بما أن أصول الفقه هو العلم الذي يستند عليه الفقه، وأن الفقه يحتاج إلى تجديد كما أجمعت عليه – أوكادت – كلمة الدارسين فلا جرم أن الأصول يحتاج إلى تجديد؛ لأن مادة الأصول في الغالب لم تكن تقصد إلى تكوين الفقيه المجتهد بقدر ماكانت تهدف إما إلى دعم المذهبية وتقرير التقليد، كما جرت عليه طريقة الأحناف – أوطريقة الفقهاء – في التأليف الأصولي ، وإما إلى البحث الحر المرسل الذي لايتغيا التطبيق ولايدرج في مراقي الفقه كما سارت عليه طريقة المتكلمين في الفقه الأصولي.[63] فالاصلاح في أصول الفقه مطلوب لتجديد الفقه.
2- المنهج المقترح لإعادة صياغة وتأليف علم الأصول يستصحب معه : تعظيم الدليل النقلي، وتحري مسلك السلف في الاستنباط، ووجوب الاستدلال والبرهنة، ومراعاة قواعد الاستدلال، وبناء القواعد على الاستقراء، وبث الروح البحثية، والجمع بين الجانبين النظري والعملي، واعتبار علمي الأصول والفقه علما واحدا ذا أصول وفروع، وجعل القواعد الأصولية مؤصلة لكافة أركان الدين، والحرص على الابانة والإفهام، جعل النية والقصد والخلق أساس البحث الأصولي، وتحديد المصادر الصحيحة وحسن الاستمداد منها، استبعاد المواد الدخيلة التي لاتحقق مقصود العلم.[64]
3- بما أن العقل خصيصة إنسانية، وجعله الله شرطا في التكليف، وحكم العقل مرجع في كثير من الأمور؛ آن الأوان لإخراجه من السجال العقيم الذي يجعله في مقابل النقل، وإحياء دوره وتوظيفه في التفكر والتدبر والاعتبار؛ على أساس أن صحيح المنقول لايتعارض مع صحيح المعقول.
4- آن الآوان للانتقال إلى الجانب العملي في الأصول والفقه؛ فالواقع تحكمه الآن أساليب الغلاة والمتطرفين ، حتى كادت أن تكون هي المعتمدة في التعبير عن الإسلام، لقد وجب علينا أن ننفي عن الإسلام تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
هذا وبالله التوفيق
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية، لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي. المفتي العام لسلطنة عمان مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
3. اختلاف الاجتهاد وتغيره وأثر ذلك في الفتيا، د. محمد عبدالرحمن المرعشلي. مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1424هـ ـــ 2003م بيروت ـــ لبنان.
4. الفخر الرازي، المحصول ج1 ق1 جامعة ابن سعود.
5. القاضي البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول، المكتبة التجارية.
6. التجديد في أصول الفقه: مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة. د. خليفة بابكر حسن، بحث نشر في مجلة المسلم المعاصر العدد: 125/126 ديسمر 2007م.
7. المستصفى 2/1 الإمام أبو حامد الغزالي.
8. جدل الأصول والواقع، للدكتور حمادي ذويب الطبعة الأولى 2009م دار المدار الإسلامي بيروت ـ لبنان.
9. تجديد الفقه الإسلامي، للدكتور جمال عطية والدكتور وهبة الزحيلي، الطبعة الأولى 1420هـ ـــ 2000م دار الفكر ــــ دمشق ــــ سوريا.
10. معالم وضوابط الاجتهاد عند ابن تيمية، د علاء الدين حسين رحال، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن الطبعة الأولى 1422هـ ـــ 2002م.
11. اجتهادات ابن تيمية في فقه العلاقات الدولية وأثرها على الواقع المعاصر، بحث قدمه: عبدالمحمود أبو ابراهيم، في صنعاء في الندوة التكميلية الإقليمية الرابعة إصلاحات ابن تيمية وأثرها في بناء الدولة التي نظمها مركز الإمام "أبوعبدالله" الشافعي بالأردن.
12. مجلة المسلم المعاصر، العدد(96) السنة الرابعة والعشرون ابريل ـــ مايو ـــ يونيو 2000م.
13. الإسلام والتحول الاجتماعي؛ محاضرة قدمها الصادق المهدي في معهد الشؤون الخارجية ـــ بريطانيا 13 مارس 1979م.
14. نحو مرجعية إسلامية متجددة ـــ متحررة من التعامل الانكفائي مع الماضي والتعامل الاستلابي مع الوافد، الإمام الصادق المهدي الطبعة الأولى 2010م مكتبة جزيرة الورد ـــ القاهرة.
15. إسهامات المعاصرين في تجديد أصول الفقه، د. نورالدين بوكرديد، بحث نشر في مجلة البيان العدد(308) بتاريخ 2/5/2013م.
16. نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه، الدكتور محمد الدسوقي، مجلة إسلامية المعرفة العدد 3.
17. الفقه الإسلامي وأدلته، الجزء الأول أ. د . وهبة الزحيلي، طبعة 2008م دار الفكر، دمشق ـــ سوريا.
18. نحو فقه ميسر معاصر في أصول الفقه, الميسر فقه العلم. الدكتور يوسف القرضاوي.
19. الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني ودعوته ـــ الدكتور عبد الودود شلبي دار المعارف ـــ القاهرة 1979 ص 248.
20. الخصومة في مهدية السودان، بروفيسر محمد ابراهيم أبوسليم، كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلاميا وسودانيا، إصدارات مركز أبوسليم للدراسات، الطبعة الأولى ـــ الخرطوم 1425هـ /2004م.
21. التنوع في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ودور الشورى في إدارته ـــ دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، عبدالمحمود أبو ابراهيم، جامعة أم درمان الإسلامية 1434هـ ـــ 2013م.
22. بحوث ندوة الاجتهاد في الإسلام ـــ وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان.
23. التجديد والمجددون في أصول الفقه ـــ دراسة موسعة لجهود المجددين من علماء الأصول تنتهي إلى استخلاص منهج إصلاحي سديد، أبوالفضل عبدالسلام بن محمد بن عبدالكريم، الطبعة الثالثة 1428هـ ـــ 2007م مكتبة المسجد النبوي الشريف رقم الكتاب 109709 تاريخ التسجيل 20/5/ 1431هـ.
[1] سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي . المفتي العام لسلطنة عمان , بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية صفحة 18 مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
[2] د محمد عبدالرحمن المرعشلي . اختلاف الاجتهاد وتغيره وأثر ذلك في الفتيا ، ص 9 مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى 1424هـ - 2003 م بيروت – لبنان
[3] وإنما سميت كذلك من لفظ حديث " ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرّم فهو حرام ، وماسكت عنه فهو عَفْوٌ ..." الحديث رواه الحاكم في" المستدرك " (2/375) عن أبي الدرداء وقال الذهبي في "التلخيص" صحيح ، والمقصود: المنطقة التي تبرز أدلة التشريع فيما لانص فيه. أنظر ا د. محمد عبدالرحمن المرعشلي ، اختلاف الاجتهاد زتغيره ص11 مرجع سابق
[4] المرجع السابق ص 11
[5] الخليلي مرجع سابق ص7-8
[6] الفخر الرازي ، المحصول ج1 ق1 ص94 جامعة ابن سعود
[7] القاضي البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول ص1 المكتبة التجارية
[8] د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة . بحث نششر في مجلة المسلم المعاصر العدد: 125/126 ديسمر 2007م
[9] ابن خلدون ، المقدمة 454 راجع المرجع السابق
[10] د خليفة بابكر ، مرجع سابق
[11] الإمام أبو حامد الغزالي ، المستصفى 2/1
[12] عبدالمجيد الشرفي تقديم لكتاب جدل الأصول والواقع للدكتور حمادي ذويب صفحة 8-9 الطبعة الأولى 2009م دار المدار الإسلامي بيروت - لبنان
[13] يقصد عام 1974م حيث كتب افتتاحية مجلة المسلم المعاصر وبتاريخ اليوم يكون أكثر من أربعين عاما
[14] د. جمال عطية ، د. وهبة الزحيلي، تجديد الفقه الإسلامي ، كتاب جمع بحثين بنفس العنوان واحد للدكتور عطية والثاني للدكتور وهبة الزحيلي ، صص16-17 الطبعة الأولى 1420هـ - 2000م دار الفكر – دمشق – سوريا
[15] راجع في هذه التقسيمات ، د. جمال الدين عطية " التنظير الفقهي " 45-47 وراجع د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة
[16] المرجع السابق
[17] د علاء الدين حسين رحال، معالم وضوابط الاجتهاد عند ابن تيمية ص164 دار النفائس للنشر والتوزيع . الأردن الطبعة الأولى 1422هـ - 2002م
[18] مجموع الفتاوي 11/354
[19] مجموع الفتاوي 20/583
[20] مجموع الفتاوي 32/234
[21] د علاء الدين حسين رحال ، معالم وضوابط الاجتهاد عند ابن تيمية ص193- 194 مرجع سابق
[22] السابق
[23] من ورقة قدمها الباحث في اليمن بتاريخ 29 أبريل 2014 بعنوان "اجتهادات ابن تيمية في فقه العلاقات الدولية وأثرها على الواقع المعاصر" التي نظمها مركز الإمام "أبوعبدالله" الشافعي بالأردن
[24] د خليفة بابكر ، مرجع سابق
[25] المرجع السابق
[26] د أحسن لحساسنة ، معالم التجديد الأصولي عند الإمام الششاطبي ، رسالة دكتوراة مخطوطة ، باب مضامين التجديد الأصولي عند الشاطبي ، المصدر د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وارهاصاته المعاصرة ، مرجع سابق
[27] اسماعيل محمد شعبان، التجديد في أصول الفقه
[28] د جمال الدين عطية ، مجلة المسلم المعاصر، العدد(96) السنة الرابعة والعشرون ابريل – مايو – يونيو 2000م
[29] أبو الفضل عبدالسلام بن محمد عبدالكريم ، التجيد والمجددون في أصول الفقه ، مرجع سابق
[30] الدكتور محمد الدسوقي ، نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه ، مجلة إسلامية المعرفة العدد 3 ص 111- 148
[31] د نورالدين بوكرديد، مرجع سابق
[32] د غالية بوهدة ، مجالات تجديد علم أصول الفقه ، مجلة المسلم المعاصر – العدد 118 السنة الثلاثون أكتوبر- نوفمبر – ديسمبر 2005 ص 42 هامش2
[33] د جمال الدين عطية ، النظرية العامة للشريعة الإسلامية ، مرجع سابق . راجع د. خليفة بابكر حسن ، مرجع سابق
[34] تطور علم أصول الفقه بين الواقع والآفاق ص 27 ، راجع د خليفة بابكر حسن ، مرجع سابق
[35] د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة
[36] المرجع السابق بتصرف
[37] الإمام الصادق المهدي هو الإمام الخامس لجماعة الأنصار في السودان ولد في عام 1935م وتلقى العلوم الشرعية في مجلس جده الإمام عبدالرحمن المهدي الذي كان يضم كبار العلماء، وعلوم اللغة العربية على يد الشيخ الطيب السراج من أشهر علماء اللغة العربية في السودان ، ثم واصل تعليمه إلى أن تخرّج في جامعة أكسفورد في تخصص الاقتصاد والعلوم السياسية ، وتوسّع في دراسة العلوم الشرعية والمدنية حتى أصبح حجة في الفقه المقارن بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، له مؤلفات عديدة في الفكر والسياسة والدعوة والثقافة الإسلامية . ومن مؤلفاته فيما يتعلق بموضوع هذا البحث : الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة، مستقبل الإسلام في السودان، العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الإسلامي الاجتماعي ، جدلية الأصل والعصر، المرأة وحقوقها الإسلامية والإنسانية، نحو مرجعية إسلامية متجددة.
[38] (الزواج والطلاق في جميع الأديان بقلم الشيخ المراغي ص 118).
[39] المرجع السابق
[40] الإمام الصادق المهدي ، نحو مرجعية إسلامية متجددة – متحررة من التعامل الانكفائي مع الماضي والتعامل الاستلابي مع الوافد، ص20 الطبعة الأولى 2010م مكتبة جزيرة الورد – القاهرة - مصر
[41] المرجع السابق، ص 31
[42] الإمام الصادق المهدي ، نحو مرجعية إسلامية متجددة الصفحات 20 -29 مرجع سابق
[43] د حسن عبدالله الترابي ، " تجديد أصول الفقه الإسلامي " الطبعة الأولى 1400هـ 1980م طبعة دار الفكر للنشر والتوزيع – الخرطوم ، المصدر د خليفة بابكر حسن ، مرجع سابق
[44] د. نورالدين بوكرديد ، إسهامات المعاصرين في تجديد أصول الفقه ، بحث نشر في مجلة البيان العدد(308) بتاريخ 2/5/2013م
[45] الدكتور محمود الطحان الأستاذ المساعد بجامعة الكويت سابقاً " مفهوم التجديد بين السنة النبوية وبين أدعياء التجديد المعاصرين" راجع خليفة بابكر مرجع سابق
[46] المرجع السابق
[47] دكتور خليفة بابكر ، مرجع سابق
[48] أ . د . وهبة الزحيلي . الفقه الإسلامي وأدلته ، الجزء الأول ص24 ، طبعة 2008م دار الفكر ، دمشق – سوريا
[49] الدكتور يوسف القرضاوي. نحو فقه ميسر معاصر. في أصول الفقه, الميسر فقه العلم.ص11
[50] الخليلي مرجع سابق ص 70
[51] الدكتور جمال عطية ، تجديد الفقه الإسلامي
[52] الدكتور يوسف القرضاوي ، نحو فقه ميسر معاصر، الصفحات 16- 23 مرجع سابق
[53] المصدر السابق الصفحات 24-37
[54] من تعقيب د. محمد عمارة في ندوة تجديد الفقه (القاهرة 13/12/1998) مجلة المسلم المعاصر العدد 90 ص171- 172
[55] الدكتور وهبة الزحيلي ، تجديد الفقه الإسلامي ص260 مرجع سابق
[56] د جمال عطية ، مرجع سابق
[57] السابق ص26
[58] الدكتور وهبة الزحيلي، تجديد الفقه الإسلامي ص220 مرجع سابق
[59] معالي السيد محمد أحمد الشامي . بحوث ندوة الاجتهاد في الإسلام التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان
[60] سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية المعاصرة, ص46-447 مرجع سابق
[61] أبوالفضل عبدالسلام بن محمد بن عبدالكريم ، التجديد والمجددون في أصول الفقه – دراسة موسعة لجهود المجددين من علماء الأصول تنتهي إلى استخلاص منهج إصلاحي سديد، ص43 الطبعة الثالثة 1428هـ - 2007م مكتبة المسجد النبوي الشريف رقم الكتاب 109709 تاريخ التسجيل 20/5/ 1431ه
[62] المرجع السابق ص44
[63] المرجع السابق ص66
[64] المرجع السابق الصفحات 554 – 562 بتصرف
<photo id="1" />
وزارة الأوقـاف والشئون الدينيـة
سلطنـة عُمـان
تطور العلوم الفقهية - فقه العصر
مناهج التجديد الديني والفقهي - محور الأصول النظرية لفقه العصر
مسارات الإصلاح في الفقه والأصول
الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد
الســـــودان
مسقـط
مقدمـة :
الإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لعباده ليُنظِّم علاقتهم به سبحانه وتعالى ، وينظم علاقتهم ببعضهم ، وينظم علاقتهم بالكون كله؛ وهو الدين الذي اشتمل على أصول الرسالات السماوية السابقة المتمثلة في التوحيد الخالص لله، والدعوة إلى بسط العدل بين الناس ، وعقيدة البعث بعد الموت والجزاء في الدار الآخرة.
لقد أنزل الله كتابا مفصلا تضمن قصص السابقين من الأمم، وخطاب الله لهم بالكتب والصحف التي أنزلها عن طريق الرسل الذين ابتعثهم لهداية البشرية لطريق الحق وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ وتضمّن أصول التشريع الذي يحكم ويوجّه المسيرة الإنسانية لتحقيق وظيفة الاستخلاف في الدنيا، وأرسل رسوله الخاتم سيدنا محمد بن عبدالله ليبلغ رسالة ربه ويشرح ويبيّن ما أُجمل في القرآن الكريم ، وكان منهجه في التبليغ والتبيين والتفسير يقوم على الخطاب المباشر الآمر والناهي والمرشد، وعلى الحوار، والمقارنة، والإجابة على الأسئلة والاستفسارات؛ وكان أصحابه رضوان الله عليهم"على درجة عالية من الفهم الواعي لتفتح مداركهم وسعة آفاقها ولطهر سرائرهم ونور بصائرهم ، ولأنهم كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقون منه شفاها ، ويرون كيف يُطبِّق أدلة الشرع على الوقائع والأحداث"[1]ففهموا منهجه واستوعبوا أسلوبه في التعامل مع النص والواقع. فقد رأوه صلى الله عليه وسلم" يراعي أحوال السائلين ، فيجيب عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة لاختلافهم كُلاًّ بما يناسب حاله ويعالج قصوره أوتقصيره" فكانوا رضوان الله عليهم يراعون تغير "الفتوى والاجتهاد في فقههم فتغيرت فتواهم في عقوبة شارب الخمر ، وزكاة الفطر ، وزكاة الخيل وسهم المؤلفة قلوبهم ، وطلاق الثلاث ، وقسمة الأرض المفتوحة، وجمع القرآن وكتابته في المصاحف وغيرها من الأمثلة التي لاتعد ولاتحصى"[2] .
واجتهدوا لفهم النص ورسول الله بين أظهرهم، وميزوا بين الوحي المنزل وبين إرشاد الخبير ، فالتزموا بأوامر الوحي ونواهيهه وراجعوه في الآراء الاجتهادية التي لم تكن وحيا مُلزماً، اتضح ذلك جليا في مراجعة الحباب بن المنذر في موقع نزول الجيش في غزوة بدر ، وفي مراجعة السعدان له عندما قرر أن يعطي ثلث ثمار المدينة لقبيلة غطفان مقابل خروجها من حلف الأحزاب.
لقد مكنهم هذا المنهج من التعامل مع المستجدات التي طرأت بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى وتوقُّف نزول الوحي، وورَّثوا هذا المنهج الاجتهادي لمن أتوا من بعدهم من التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم في العصور اللاحقة ؛ بالرغم من محاولة قفل باب الاجتهاد من بعض دعاة التقليد.
والواقع أن الشريعة الإسلامية استطاعت أن تَفِي بحاجات المجتمعات التي حكمتها ، وأن تعالج كافة المشكلات في كافة البيئات التي حلَّت بها بأعدل الحلول وأصلحها، لأنها بجوار ما اشتملت عليه من متانة الأصول التي قامت على مخاطبة العقل والسمو بالفطرة ، ومراعاة الواقع ، والموازنة بين الحقوق والواجبات ، وبين الروح والمادة ، وبين الدنيا والآخرة ، وإقامة القسط بين الناس جميعا ، وجلب المصالح والخيرات ، ودرء المفاسد والشرور ، بقدر الإمكان – قد أودعها الله مرونة عجيبة جعلتها تتسع لمواجهة كل طريف ، ومعالجة كل جديد، بغير عنت ولا إ رهاق، ويعود ذلك لعوامل أهمها :
أولا : سعة منطقة العَفْو[3] المتروكة قصدا حيث تَبْرُز أدلة التشريع فيما لا نص فيه (كالقياس، والاستحسان ، والاستصلاح ، والعرف).
ثانيا : اهتمام النصوص بالأحكام الكلية دون التعرُّض للجزئيات والتفاصيل التي تتغير بتغير الزمان والمكان.
ثالثا: قابلية النصوص لتعدد الأفهام .
رابعا : رعاية الضرورات والأعذار والظروف الاستثنائية ومصالح الناس المتغيرة وتبدل النوايا وتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة.
خامسا : تغيُّر الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف.[4]
وقد ظل الفقهاء والأصوليون يراجعون ويجتهدون ويجددون كلما طرأ طارئ وحلت نازلة فيستنبطون الأدلة ويصيغون القواعد التي تمكنهم من التعامل مع المستجدات بمنهج ينطلق من الأصل لمواجهة تحديات العصر، فالشافعي وضع علم أصول الفقه ضابطا للفهم والاستدلال ، والشاطبي أبرز المقاصد كشرط للفهم والاستنباط، وتوالت المجهودات الاصلاحية عبرالعصور حتى جاء عصرنا الحالي الذي امتاز بتطور وسائل التواصل، وتدفق المعلومات، وسهولة المواصلات؛ حتى صار العالم كالقرية الواحدة.
"وإذا كان الاجتهاد في كل عصر ضرورة مُلِحّة تُحَتّمه حاجة الناس إلى الأحكام الشرعية ليُلبسوها مايصدر منهم من أعمال وليُحلوا بها مايستجد عندهم من مشكلات ، وليُنزلوها على مايواجهونه من أحداث لم تكن مطروحة من قبل في حقل العلوم الفقهية؛ فإن عصرنا هذا – بمايشهده من تطور مذهل ومايعايشه من تقدم سريع لقاطرة الحياة ومايتقاذف إليه من قضايا وأحداث محيرة للألباب – هو أحوج مايكون إلى مواكبة تطوره وتقدمه في المجالات المادية بحركة علمية أصيلة تستمد من أبحر الشريعة الواسعة مايضفي على كل قضية تستجد ومشكلة تعرض نسيجا متقنا من أحكامها العادلة حتى لاتحتاج إلى لبوس يُجْلَب إليها من خارج محيط شرع الله تعالى"[5] وتأتي ندوة تطور العلوم الفقهية في دورتها الرابعة عشر لتؤكد تدفق العطاء الإسلامي وقدرته على مواجهة المستجدات، وقد خُصِّصت هذه الندوة لفقه العصر- مناهج التجديد الديني والفقهي – التي أشارك فيها بورقتي هذه في محور الأصول النظرية لفقه العصر بعنوان "مسارات الإصلاح في الفقه والأصول" عبرمقدمة ومحورين وخاتمة راجيا من المولى عز وجل التوفيق والسداد فهو حسبي ونعم الوكيل.
وأشكر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان على تنظيم هذه الندوة المهمة، وعلى دعوتي للمشاركة للاستفادة من جهود العلماء في هذا المجال، فأكرر شكري لهم وقبل ذلك لصاحب الفخامة جلالة السلطان المعظم قابوس بن سعيد، ولأهل السلطنة على كريم تفضلهم وكرم ضيافتهم
المحور الأول : مسارات الإصلاح في الأصول
علم أصول الفقه، علم يُعْنَى بأدلة الأحكام من حيث الإثبات والحجية ، وطرق الاستنباط والاستدلال..الخ ، وعرفه الرازي في المحصول بأنه: "مجموع طرق الفقه على سبيل الاجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها"[6] وعرفه البيضاوي بقوله: " معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد"[7] وهو "علم معياري للفقه من حيث ابتناء الفقه عليه، وارتكازه على منهجيته"[8] ووصفه ابن خلدون بأنه :" من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا، وأكثرها فائدة"[9] ومن الناحية التكوينية "تعود قاعدته إلى النقل والعقل مجتمعين مما أتاح له النفاذ الكامل لارتكازه على مفتاحي الحقيقة: الشرع الذي يقرر ، والعقل الذي يفسر ويمد ويطور"[10] وذكر العلماء فضله ومكانته بين العلوم قال الغزالي عنه :" أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصول الفقه من هذا القبيل؛ فإنه أخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل ، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لايتلقاه الشرع بالقبول، ولاهو مبني على محض التقليد الذي لايشهد له العقل بالتأييد والتسديد"[11] وظل علم الأصول – منذ أن قعَّد له الشافعي – منهجا حاكما ومرشدا لاجتهاد العلماء في استنباط الأحكام، حتى برزت في العصور الأخيرة اتجاهات ملحة تدعوا لمراجعته وتجديده. يقول عبدالمجيد الشرفي في تقديمه لكتاب الدكتور حمادي ذويب "جدل الأصول والواقع" بعد أن أرجع الفوضي المفهومية والقيمية السائدة في الأوساط الإسلامية؛ إلى طبيعة العلاقة بالماضي وبالموروث الثقافي المتمثل في التأويلات التاريخية والبشرية لنصوص الوحي في القرآن والسنة، وكتب السيرة والمغازي، وقواعد الاستنباط التي سنها الأصوليون ..الخ يقول: " كيف السبيل إلى التخلص من هذه الأسْيِجة التي تكبل المسلم؟ وكيف يمكن التحرر من وطأة الماضي وقيوده؟ وما الطريق إلى فكر إسلامي ابداعي يحقق الطموحات المشروعة إلى تسام روحي وأخلاقي تفتقر إليه الحضارة الحديثة، المادية في جوهرها؟ لعلنا لانبالغ حين نعتبر أنها أسئلة كانت حاضرة في ذهن حمادي ذويب وهو يبحث في أصول الفقه وصلتها بالواقع التاريخي. وعليه فإن إعادة قراءة المدونة الأصولية بفكر نقدي يقظ ، وإن كان عملا أكاديميا...إنما هي في الآن نفسه عمل نضالي يندرج في مشاغل أبناء جيله ، لابمعنى النضال السياسي والاجتماعي المباشر، بل من زاوية النضال الثقافي العسير"[12] هذا التقديم يؤكد خطورة موضوع التجديد في الأصول وصعوبة الإقدام عليه، لأن العقل الجمعي لفقهاء المسلمين لايقبل طرق هذا الباب باعتباره من المناطق المحرمة، مع أن دعاة التجديد والإصلاح الأصولي لم يخطر ببالهم أصلا مراجعة الأصلين الثابتين: القرآن الكريم وماصح من السنة النبوية الشريفة؛ اللهم إلا في إطار إعادة قراءتهما بما توافر من معارف العصر؛ وإنما يعنون الأصول الاجتهادية التي استنبطها العلماء . ومع ذلك فإن مسارات الإصلاح في الأصول لاتزال حذرة لخطورة الإقدام عليها. يقول الدكتور جمال عطية: " والواقع أننا كنا بدأنا منذ أكثر من عشرين عاما[13] الكتابة في تجديد أصول الفقه ، واعترض البعض بأن الأصول ثابتة لاتتغير. ومع ذلك فإن هذا الموضوع ما زالت تتنازعه اتجاهات مختلفة، ولم ينضج بعد حتى يمكن الحديث فيه... والحقيقة أن العلاقة بين التجديد في (الفقه) وبين التجديد في (أصول الفقه) علاقة وثيقة . فالتجديد في الفقه يقوم على التجديد في أصول الفقه، بمعنى أنه إذا كان هناك تجديد في أصول الفقه فإنه ينبني عليه بطبيعة الحال – تجديد الفقه ، واجتهاد جديد وفقا للمناهج الجديدة التي توضع لأصول الفقه. وسوف يكون لهذا أثره في المادة الفقهية. ولكن التجديد في أصول الفقه قد يطول انتظاره حتى تتم بلورته ووضع القواعد المتعلقة به وفهمها . ثم تطبيقها في الفروع إلى أن نصل إلى فقه جديد مبني عليه"[14] وقد صدق توقع الدكتور عطية ، فما زال موضوع التجديد في أصول الفقه يراوح مكانه ، بالرغم من أن المستجدات والقضايا التي طرأت في المجتمع جعلت كثيرا من العلماء والمفكرين والأصوليين، يحاولون طرق هذا الموضوع ولكن بحذر مخافة حدوث اضطراب في القناعات التي قامت عليها الحضارة الإسلامية على طول مسيرة التاريخ الإسلامي. وبسبب الحذر من أن يتبنى هذا الموضوع غير أهل التخصص فيوجهونه وجهة تخالف المقاصد الشرعية الكلية.
ومع هذا الحذر فإن المحاولات التي تطرقت لهذا الجانب يمكن استعراضها في المسارات الآتية:
المسار التجديدي:
لم يقف علم أصول الفقه عند المحطة التي بلور فيها الإمام الشافعي أسسه وأركانه، بل ظل العلماء يراجعونه ويطورونه ويعيدون ترتيب مناهجه كلما دعت الحاجة ، ونجد لمسات الأئمة واضحة في هذا المجال كإمام الحرمين الجويني (ت 478هـ) والإمام الغزالي (ت 505هـ ) والعز بن عبدالسلام (ت 660هـ ) والقرافي ( ت 681هـ ) وابن تيمية (ت 728هـ) وابن القيم (ت752هـ ) والشاطبي (ت 790هـ ) فكل هؤلاء وغيرهم ساهموا في تجديد علم الأصول بصورة أو أخرى فمثلا نجد الإمام الغزالي "ركز المباحث الأصولية في أربعة أقطاب:
القطب الأول: "الثمرة" وهي الحكم،لأن الأصول قواعد يتوصل بها إلى استنباط الأحكام من الأدلة.
القطب الثاني: " أدلة الأحكام " وقد حصرها في الكتاب والسنة والاجماع والعقل والاستصحاب، ثم عرض ماسواها من الأدلة المختلف فيها لكنه سماها بالأدلة الموهومة.
القطب الثالث: هو "كيفية استثمار الأحكام من الأدلة " وجعل هذا القطب في مقدمة تتناول مبدأ اللغات ومايتصل بذلك من تقسيم الأسماء إلى لغوية وعرفية وشرعية، وماهية الكلام المفيد، وطرق فهم المراد من الخطاب ، والحقيقة والمجاز ، ثم بحث النظر في الصيغة وهي متن الكلام: المجمل والمبين ، والظاهر والمؤول، والأمر والنهي ، والعام والخاص، ثم بحث مايعتبر من الألفاظ من حيث الاقتضاء ، والإشارة وفهم التعليل ، وفهم غير المنطوق ، والمفهوم، وأخيرا كيفية الاستثمار من الألفاظ وبحث فيه القياس ، وهنا قد نقف لنشير إلى أن الإمام الغزالي لم يعتبر القياس دليلا مباشرا كغيره من الأصوليين وإنما أدخله في باب استثمار الأحكام من النصوص ، وهذا لايؤثر في وضعية القياس كمصدر اجتهادي ؛ إلا أنه نحا به نحواً آخر من حيث أنه محمول على النص وليس بمستقل عنه.
القطب الرابع: " حكم المستثمر وتناول فيه الاجتهاد والاستفتاء والتقليد والترجيح"[15] ومما لاريب فيه أن مساهمة الغزالي كانت مهمة في وقتها بل ما زالت تثمر حتى في عصرنا الحاضر. والعز بن عبد السلام كانت مساهمته في تجديد الأصول مركزة على المصالح حيث تناول الآتي:
1- تأصيل المصالح
2- تقسيم المصالح والمفاسد
3- تفاوت المصالح والمفاسد.
4- منهجية التمازج بين النظر الفقهي والأصولي في تناول نظرية المصالح.[16] وبرزت أهمية المصالح في هذه الحقبة من تاريخ الإنسانية؛ التي كثر فيها التساؤل عن دور الدين في تلبية مطالب البشرية.
وشيخ الإسلام ابن تيمية اهتم في منهجه التجديدي بالمقاصد، التي طورها لاحقا الإمام الشاطبي، وكساها ابن عاشور ثوبا جديدا أبرز ديباجة الإسلام, وتميز منهج ابن تيمية في التعامل مع الأدلة الأصولية بعدم مناقشة الدليل كما يعرضه الأصوليون مناقشة أصوليّة؛ بل إعادة توجيه معنى الدليل، فتحرير المعنى المقصود من الاستصحاب، أو عمل أهل المدينة، هو الشغل الشاغل عند ابن تيمية، ولذلك يمكن القول بـأنه يأخذ بهذه الأدلة وِفق تصوره وفهمه هو للدليل، وليس بالضرورة أن يأخذ به وفق فهم غيره[17] ولعلّ هذا هو الذي جعله يُعطي مقاصد الشريعة اهتماماً بالغاً، يظهر ذلك من خلال أبحاثه الكثيرة التي ضمّنها كتبه، ومما يدل على اهتمامه بالمقاصد الآتي:
أولاً: أنه يجعل العِلم بمقاصدَ الشريعةِ من خاصة الفقه في الدين، وفي ذلك يقول: "ومن أنكر أن يكون للفعل صِفات ذاتيّة لم يَحْسُنْ إلا لِتَعَلُّق الأمر به، وأن الأحكام بمجرد نسبة الخِطاب إلى الفعل فقط، فقد أنكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد، والمعروف والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعِللها وأنكر خاصة الفقه في الدين الذي هو معرفة حِكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها.."[18] ويبيّن ضرورة معرفة المقاصد لتمييز صحيح القياس من فاسده بقوله: "لكن العِلم بصحيح القياس وفاسده من أجلّ العلوم وإنما يَعرِفُ ذلك من كان خبيراً بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمّنتهُ من مصالح العِباد في المعاش والمعاد وما فيها من الحِكمة البالغة والرحمة السابغة والعدل التام.."[19]
ثانياً: أنه ذكر المقاصد الخمسة التي يذكرها الأصوليون عادةً واستدرك عليهم فيها حيث يقول: "..ورأوا أن المصلحة نوعان: أخرويّة ودُنيويّة؛ جعلوا الأخرويّة ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحِكم، وجعلوا الدُنيويّة ما تضمّن حفظ الدِّماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عمّا في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها كمحبته وخشيته وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته وغير ذلك من المصالح في الدنيا والآخرة .."[20]
ثالثاً: أنّه عالج مسائل ذات أهميّة في مقاصد الشريعة؛ مثل مسألة الحيل، وسد الذرائع، وتعليل الأحكام.
رابعاً: أنّه كثيراً ما يستخدم المصلحة في كلامه ويبيّن القواعد المُهمّة فيها، ويبيّن ما يترجّح منها وطريقة الترجيح، والميزان المعتبر فيها، وأهميّة الدراية بالمصالح والمفاسد في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبيّن وجه اختلال المصلحة[21].
خامساً: ذِكره لبعض مقاصد التشريع وحكمه مثل: مقصد الولاية ومقصد مخالفة المشركين ومقصد الجهاد وغير ذلك من الحكم الدقيقة، والمقاصد النافعة الذي بينها من خلال كلامه[22] وهذا يفتح الباب واسعاً لقراءة الأدلة وفق مقاصد الشرع وتطور الواقع، وبهذا يكون ابن تيمية رائد الاجتهاد المقاصدي في عصره.
والذي أهّله لذلك هو تميّزه بصفاتٍ قَلّما تجتمعُ في شخصٍ واحد منها: أنه يمتلك حافظة واعية مكّنته من حفظ النصوص بأسانيدها مع عُمق في التفكير وحضور للبديهة، وأبرز صفاته استقلاله الفكري قال البزار: "وهذا أمر اشتهر وظهر فإنّه رضي الله عنه ليس له مصنف ولا نص في مسألة ولا فتوى إلا وقد اختار فيه ما رجّحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرى قول الحق المحض فبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة"[23] " ونستطيع أن نقول : " إن سمات آرائه الأصولية يمكن تجميعها فيما يلي:
1- الحرية في النظر الأصولي وعدم التقيد بمذهبية بإطلاق.
2- الاعتماد على الكتاب والسنة في التنظير الأصولي.
3- التوفيق بين الثنائيات المتقابلة : العقل الصريح والنقل الصحيح، والحقيقة والشريعة.
4- البرهنة والاستدلال على القواعد الأصولية.[24]
والإمام الشاطبي : إبراهيم بن موسى بن محمد أبو إسحاق الشهير بالشاطبي (ت790) صاحب الموافقات ، والاعتصام ، والإفادات والإنشادات وغيرها من التصانيف العالية التي تتسم بالسعة والشمول والعمق، كما تتسم بالتنوع ، وبهذا فهي تعكس المقدرات الفريدة لهذا الإمام العبقري النابه.. وتجديدات الإمام الشاطبي في علم الأصول .. تجديدات كثيرة وعديدة، ومده فيها واسع ومتقدم ، ولئن تركز دور الإمام الشافعي في تدوين علم الأصول وجمعه وتحريره وتنقيح ينابيعه ؛ فقد لحقه في هذا الإمام العظيم بدور كبير في زمنه اللاحق في القرن الثامن الهجري حيث جدد في هذا العلم تجديدا قد يصل إلى حد التأسيس في بعض جوانبه[25] وقد تعرض الدكتور خليفه بابكر في بحثه القيم الموسوم بـ" التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة" لأهم جوانب التجديد عند الإمام الشاطبي تحت العناوين التالية:
- · دوافع التجديد عند الشاطبي واتجاهاته .
- · منهجية التجديد عند الإمام الشاطبي .
- · مضامين التجديد عند الإمام الشاطبي .
وفي العصر الحديث ظهرت أطروحات تدعو لتجديد أصول الفقه وهي تتراوح "بين الدوافع الفكرية سواء كان مبعثها مبعثاً اجتماعيا أوسياسيا، وبين الدوافع الأكاديمية التي تدور في باب تصنيف علم الأصول وترتيبه وتوسيعه وتوضيحه ، وبين الدوافع المنهجية التي تعنى بتمحيصه وتحريره مع الترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون[27] وإعادة هيكلته من جديد بصورة تتلاءم مع مقتضيات العصر[28] وبين الدوافع المذهبية بالاتجاه إلى قواعد السلف وماكان عليه الأئمة المحققون[29]
المسار التأسيسي :
وهو يهدف إلى تأسيس منهج أصولي جديد يتجاوز الجدل اللفظي والإيجاز الذي يشبه الألغاز، وسماه الدكتور خليفة بابكر بالاتجاه الأكاديمي ويمثل هذا المسار عدد من العلماء منهم: الدكتور محمد سعيد الدسوقي، والدكتور علي جمعة ، والدكتور جمال الدين عطية – في بعض آرائه - وقد اقترح الدكتور محمد الدسوقي قيام دعائمه على الآتي :
1- تجنب الاجترار والتقليد.
2- الفقه الدقيق بمصادر الأحكام .
3- الفقه الدقيق للمقاصد العامة للتشريع الإسلامي.
4- الربط بين قضايا علم الأصول وعلم القانون .
5- الربط بين قضايا الأصول ومناهج البحث. [30] ولخص أهم الخطوط العريضة للاتجاهات الرامية إلى تجديد أصول الفقه في أهمية إلغاء ماليس من علم الأصول، وضرورة تدريس المقاصد الشرعية بصورة وافية، وتطوير مفاهيم بعض الأدلة، وربط القواعد بالفروع ما أمكن، وبذلك يكون الدكتور الدسوقي قد شمل بمشروعه التجديدي، الجوانب المنهجية والموضوعية في أصول الفقه ، فمنهجه الأكبر توجّه إلى ضرورة الالتفات لهموم المجتمعات المسلمة المعاصرة حتى لاتكون المباحث الأصولية في واد والواقع الذي ننظر إليه في واد آخر.[31]
كما يدعو هذا المسار لربط القواعد الأصولية بالفروع التطبيقية، ويقترح الدكتور علي جمعة في هذا الصدد إدخال القواعد والفروق في علم الأصول لإثراء جانب التطبيق .. كما دعا إلى ضرورة استفادة علم الأصول من العلوم الاجتماعية المعاصرة.[32] ويوافق على ذلك الدكتور شعبان محمد اسماعيل فيما يتعلق بمقاصد الشريعة خاصة حيث يرى دمج نظرية الشاطبي في المقاصد مع أصول الفقه.. أما الدكتور جمال الدين عطية فقد اقترح صياغة مباحث علم الأصول بتبويب جديد يتسم بالسهولة وإعادة تقسيمه بحيث يتسع للتفريق بين المصادر الموضوعية ، والوسائل الاجتهادية ، وصنف المصادر الموضوعية إلى "النقل ويشمل الكتاب والسنة وشرع من قبلنا، و"أولي الأمر" ويدخل فيه الاجماع ، والاجتهاد ، و"الأوضاع القائمة" ويشمل ذلك العرف ، والاستصحاب ، والعقل ، والبراءة الأصلية[33]
أما مباحث العلم الشرعي فيقسمها من حيث النطاق إلى النطاق الشخصي والنطاق المكاني والنطاق الزمني ويدرج في كل واحد منها الموضوعات الصالحة له، ومن خلال ذلك يحاول تجاوز بعض التداخلات بين الموضوعات التي لاحظها على التقسيم الحالي لعلم الأصول[34]
المسار المنهجي :
ويتلخص في الدعوة لتوسيع مفهوم الاجتهاد، وتحويل الاجماع والاجتهاد والشورى إلى مؤسسات ، ولعل هذا تمثله المجامع الفهقية التي انتشرت مؤخرا في البلدان الإسلامية؛ حيث تحوَّل الاجتهاد من عمل فردي إلى اجتهاد جماعي ، ومنهجية ندوة تطوُّر العلوم الفقهية في سلطنة عمان؛ تُعدُّ رائدة في هذا المجال، حيث اتبعت منهجا يتناول في كل ندوة موضوعا محددا يُدعى إليه العلماء من كل المذاهب والمدارس الفقهية، فيقدمون بحوثهم في الموضوع كلٌّ من الزاوية التي تمثل قناعاته ومنهجيته، وهذا من شأنه أن يفتح الباب للدراسات المقارنة التي تتناول الموضوع من كل جوانبه، من زوايا متنوعة تحقق النضج والإحاطة المعقولة للمواضيع المطروحة. ويقترح الدكتور خليفة بابكر حسن؛ نقاطا مهمة في هذا الجانب تحكم المسار المنهجي لإصلاح الأصول هي:
1- تدريس مباحث الحكم الشرعي لطلاب كليات الحقوق مع المقارنة بين تعريف الحكم الشرعي والقاعدة القانونية من حيث المنبع والخصائص، مع بيان اتساع الحكم الشرعي وتدرجه كما يمكن التمييز في هذا الاطار بين الحكم الشرعي الواجب ديانة والواجب قضاء ، والواجب ديانة فقط.
2- المقارنة بين فكرة النظام العام في القانون وتقسيمات الأصوليين للمحكوم فيه، وهو فعل المكلف الذي يتعلق به التكليف من حيث أنه إما أن يكون حقا خالصا لله أو حقا خالصا للعبد، أو حقا مشتركا مع غلبة حق الله، أو مشتركا مع غلبة حق العبد، وبسط القول في ذلك بالطريقة التي تكشف عن ثراء وسعة أصول الفقه في هذا الجانب كما يمكن المقارنة بين فكرة التكليف الشريعة، والمسؤولية في القانون ، واتساع فكرة التكليف التي تتعدى الدنيا إلى الآخرة .
3- في مباحث تفسير النصوص لابد من تركيز فكرة التفسير في صدر الجزء المخصص لذلك من أجزاء أصول الفقه ، مع بيان دور اللغة العربية والمنطق في تلك المباحث، وإعطاء لمحة تاريخية عن تفسير الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين لتفسير النصوص وطريقتهم في ذلك ، ثم تأتي – بعد ذلك – الدراسة الموضوعية لكل باب من أبواب التفسير، على أنه لابد من أن يفرق بين وظيفة تلك القواعد كقواعد لفهم النصوص ووظيفتها كقواعد للتطبيق، ثم لابد من إجراء دراسة تحليلية للقوانين المطبقة في إطار قواعد التفسيرببيان النص العام في النص القانوني والخاص فيه ، وكيف يخصص العام؟ والمطلق والمقيد ومتى يتم التقييد؟ واستخراج أنماط لمفاهيم موافقة ومخالفة ودلالة عبارة، وإشارة واقتضاء، وغير ذلك من جوانب المباحث الخاصة بتفسير النصوص وهي كثيرة.
4- في باب المصالح المرسلة لابد من إيراد نماذج معاصرة لاجتهادات اعتمد فيها على هذا المصدر الاجتهادي إذا كانت المسائل التي تتناولها لايشملها نص خاص من نصوص الشريعة، وفي ذلك فائدة من حيث ربط تلك التنظيمات بالشريعة باعتبار أنها تدابير اقتضتها مصالح الناس، وأوجبتها مقتضيات تنظيم حياتهم.[35]
ويضيف أهمية كتابة مقدمات تاريخية تكشف عن المراحل التي مر بها علم أصول الفقه ، والتطور الذي لحق به في صياغته وأسلوبه منذ تدوين الإمام الشافعي له في القرن الثاني، وتطعيم الإمام الغزالي له في القرن الخامس بالمنطق الأرسطي الذي أثر في كتاباته في المراحل اللاحقة ، مع التوضيح أكثر لطبيعة استخدام علم الأصول في عصر الاجتهاد، وطبيعة استخدامه في عصر التقليد؛ عن طريق الرصد التاريخي المتبوع بالاستدلال والتطبيق الذي يكشف بدقة طبيعة الاستخدام. وعند دراسة الاجتهاد لابد من تأكيد فكرة الاجتهاد والتكليف به في الشريعة الإسلامية، مع ضرورة عرض فكرة التلاقي بين الوحي والعقل البشري؛ بمنهجية واضحة، وثابتة، ومقننة ؛ يفرق فيها الثوابت التي لايطولها الاجتهاد، وبين المتغيرات التي يلاحقها الاجتهاد بالبحث والمتابعة والكشف.
ويختم دكتور خليفة رؤيته الجيدة بقوله: " فقد تقود الاعتبارات التجديدية، والحاجات الزمنية في المستقبل ؛ إلى ظهور أصول الفقه المتخصص: كأصول فقه الاقتصاد، وأصول فقه السياسة والحكم، وأصول فقه العلاقات الدولية، وأصول فقه الأسرة، وأصول فقه القضاء، إلى غير ذلك من الروافد التي تدعو الحاجة إلى التوسع في دراسة أصولها بسعة وإبانة، وبطريقة يتمازج فيها أصول الفقه الحالي والقواعد الفقهية بما يرسي مناهج هذه العلوم في إطار من النظر المنهجي الدقيق والمباشر، والتطبيق العملي المبين والكاشف"[36]
المسار الفكري:
الفكر الإسلامي وثيق الصلة بعلم الأصول لأن عقلية المفكرالمسلم تشكلها الأصول والمبادئ الإسلامية، والقواعد والمقاصد الشرعية، ومن أبرز المفكرين الذين تحدثوا عن التجديد؛الإمام الصادق المهدي، والدكتور طه جابر العلواني، والدكتور حسن الترابي، والدكتور محمد عابد الجابري ، والشيخ راشد الغنوشي وآخرون، وأذكر هنا نموذجي الإمام الصادق المهدي، والدكتور حسن الترابي؛ بسبب عدم معرفة الكثيرين باجتهادهما، ولتميُّزهما بأنهما يقودان جماعتين حركِيَّتَين لهما وجودهما في أرض الواقع.
أولا: الإمام الصادق المهدي[37]:
نشر أفكاره التجديدية في كثير من المؤلفات وخلاصتها: "أن التكاليف الإسلامية قسمان: قسم يتصل بالعبادات، وهو تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، والأصل في هذا القسم التعبد، و النصوص فيه غير معلّلة في جملتها، وعلى وجه التحقيق؛ لا يلتفت الشخص في العبادات إلى البواعث والغايات التي من أجلها كانت وتبنى عليها اشباهها. فلا يفرض المكلف على نفسه عبادة لم يفرضها الشارع، بحجة اتحادها مع ما نص عليه في الباعث الملتمس أو الحكمة المناسبة. ومع ذلك المنع فإنه من الواجب على المسلمين الإيمان بأن هذه التكاليف في مصلحة الإنسان وإن كان ليس له أن يشرع بالحكمة أو المصلحة أو البواعث مثلها. بل عليه أن يقف فيها عند النصوص وما تشير إليه وما يحمل عليها من غير تزيد.
والقسم الثاني من التكاليف ما يتصل بمعاملة بنى الإنسان بعضهم مع بعض، وهو ما يسمى في اصطلاح الفقهاء بالعادات. فإن الأصل في ذلك القسم هو الالتفات إلى المعاني والبواعث التي شرعت من أجلها الأحكام، وذلك باتفاق الفقهاء. فإن التكاليف في هذه الأمور إنما كانت لتكوين مدنية إسلامية فاضلة أساسها العدل والمساواة والفضيلة"[38].
كانت المذاهب الإسلامية استجابة صادقة لاستنباط أحكام الشريعة في بيئات فكرية واجتماعية متنوعة.
هكذا نجد أن تاريخنا حافل باستجابات متنوعة لقضايا التجديد والتحول الاجتماعي؛ استجابات بعضها إصلاحي، وبعضها ثوري، وبعضها إلهامي، وكلها لعبت دورا في تكوين التاريخ الإسلامي ثم اختفت رويدا رويدا ليحل محلها التقليد والجمود.
هذا الجمود كرسته أربعة عوامل هي:
الأول: الجمود الفكري الذي حجر الاجتهاد على أئمة المذاهب الأربعة وصنف الفقهاء على سبع طبقات تبدأ بالأئمة المجتهدين وتنزل درجة درجة حتى تنتهي إلى طبقة المفكرين وهي الطبقة السائدة منذ القرن الخامس الهجري.
الثاني: انحسار الشورى من نظام الحكم في العالم الإسلامي، ووقوع الأمة في قبضة الاستبداد السياسي.
الثالث: زوال العدالة الاجتماعية من الممارسات الاقتصادية، والفصل بين العمل والملكية مما جعل الحياة الاقتصادية تقوم على الاستغلال أو الأنانية.
الرابع: انطواء الحياة الاجتماعية في سلبية الطرق الصوفية؛ التي منحت الناس بعض الترويح الروحي وصرفتهم عن إيجابية التصدي للإصلاح السياسي والاجتماعي.
هذه العوامل عززت بعضها بعضا وأكسبت المجتمع الإسلامي صفات الترهُّل والاتكال التي نسبها ماكس ويبر خطأ للإسلام نفسه.[39] يقول: " إن واقعنا السياسي يعاني من تراث الاستبداد القديم الذي عبّر عنه كثير من الفقهاء على حد مقولة ابن حجر العسقلاني : " وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه" هذا التراث القديم خلّف ذهنية قابلة للاستبداد"[40] ويقول:" الثقافة الغالبة على مجتمعاتنا الإسلامية هي التي جعلت الاستبداد ممكنا بل مروعا. إنها ثقافة طردت الحرية وغيّبت العقل البرهاني وجعلت الاجتهاد في الدين مستحيلا. ثقافتنا السائدة جعلت اجتهادات السابقين وهي اجتهادات إنسانية، مقدسة بقدسية نصوص الوحي. هذا معناه أننا جعلنا الحاضر والمستقبل حبيسا الماضي، فإن أبقينا على هذا الواقع الثقافي لايرجى أن نحقق إصلاحا سياسيا أو إقتصاديا أو اجتماعيا؛ لأن كافة هذه الإصلاحات سوف تصطدم بالحائط الثقافي"[41]
ويرى أن فكرة تقديس اجتهادات الأقدمين انطلقت من نصوص الوحي وبموجب المنطق الصوري المعتمد على الاجماع والقياس، فصلت ثوبا عريضا صالحا لكل زمان ومكان ؛ باعتباره يمثل إرادة الله لخلقه. مع أن الأئمة المتبوعين أنفسهم نفوا أي تقديس لاجتهاداتهم؛ فأبوحنيفة عندما أفتى قال له أحد الحاضرين: " أهذا هو الحق الذي لاشك فيه"؟ قال له الإمام: " وقد يكون الباطل الذي لاشك فيه" ورفض الإمام مالك الزام المسلمين بالموطأ عندما طلب منه الخليفة ذلك، وقال الإمام أحمد بن حنبل : " من قلة فقه الرجل أن يقلد الرجال في دينه"
يرى أن الحاجة لاجتهاد جديد توجبه القضايا المعاصرة التي شكلت تحديا كبيرا يواجه المسلمين، فضلا عن المعارف الجديدة التي توجب قراءة جديدة للقرآن الكريم والسنة الشريفة ويقترح آليات جديدة للاجتهاد هي:
1- المقاصد : فلدى التعارض بين نصوص الجبر والاختيار فإن مقاصد الشريعة ترجح أن تكون آيات الاختيار هي المحكمة ؛ لأن إنكار الاختيار يهدم مسؤولية الإنسان عن أعماله ، وهذا يهدم الأخلاق.
2- الحكمة : في كثير من النصوص يذكر الكتاب والحكمة ، وهي ملكة متاحة للرسل ولغيرهم من البشر. قال تعالى : " يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ..." [البقرة: 269]
3- المصلحة : يقول نجم الدين الطوفي إن المصلحة مرجعية راجحة في الشريعة ؛ لأنها تنشد: لاضرر ولاضرار.
4- العقل: على حد تعبير الإمام الشاطبي : فإن مطالب الشريعة لاتناقض مدركات العقول.
5- العدل : قال الإمام ابن القيم : كلما تحقق به العدل هو من الشرع وإن لم يرد به نص.
6- السياسة الشرعية : وهذه تمكن قيادة المجتمع الشرعية أن تتخذ سياسات لم يرد بها نص ولاقياس ولا إجماع مثل ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه من توحيد نص المصحف، وإحراق النصوص الأخرى . ومافعله عمر رضي الله عنه من عدم توزيع أرض السواد غنيمة للمجاهدين وهلم جرا.
7- المعرفة : الاعتراف بالمعرفة التي يدركها الإنسان عن طريق العقل ، والتجربة ، والحواس ، في أمر الكتاب المشاهد ، أي الطبيعة التي فطرها الله على سنن وقال: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى" [طه:50] وقال : ") وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ " [الذاريات: 20-21]
ويخلص إلى القول: "استخدمت هذه الوسائل في اجتهاداتي وكانت النتيجة طائفة من المؤلفات أذكر منها: العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي – جدلية الأصل والعصر- الدولة في الإسلام المرأة وحقوقها في الإسلام إلى آخر القائمة التي عبر كتب ورسائل ومحاضرات زادت عن مائة مداخلة في كافة قضايا الفكر في الساحة ..التي نحتاج فيها لمراجعات مفهومية وسياسية واقتصادية واجتماعية، ودعوية، وخارجية ( أي ضبط علاقتنا بالخارج) وأؤكد أن عافية حاضرنا ومستقبلنا رهين بتلك المراجعات التي تؤدي للصحوة الثقافية"[42].
هذا المنهج التجديدي الذي سلكه الإمام الصادق المهدي اعتمد على آليات اتفق فيها مع علماء سابقين؛ مثل المقاصد، والمصلحة، والسياسة الشرعية، وكذلك العقل عند المعتزلة ونوعا ما عند الغزالي، وإن كان طرحُ الإمام الصادق لها يأتي في نطاق أوسع يشمل كافة جوانب المعاملات. وأما الآليات الجديدة المتمثلة في الحكمة والعدل والمعرفة فتحتاج إلى تحرير معانيها، وضبط مفهومها، وبلورة مضامينها، ونطاق تطبيقها؛ حتى تصبح آليات محكمة تصلح للتطبيق المعرفي في المجالات المذكورة.
وتتلخص أطروحة الدكتور حسن الترابي في الآتي:
1- أن أصول الفقه وقفت فيه حركة الابداع مع توقف حركة الفقه، وبالتالي غدا مقولات نظرية عقيمة.
2- أن أصول الفقه لم يكن مؤهلا أصلا لمعالجة القضايا التي يواجهها الناس في العصر الحديث ؛ لأنه كان يدور في القضايا الفردية والخاصة، والقضايا المطروحة اليوم قضايا عامة .
3- أن إهتمام الأصول كان في غالبه بجوانب التفسير، لأن مايجري فيه الاجتهاد من القضايا الخاصة غالبها وردت فيه نصوص.
ثم عزز ذلك بالحديث عن تاريخ أصول الفقه وأن الفترة التي حدث فيها اهتمام بالقضايا كان عهد سيدنا عمر – رضي الله عنه- الذي أثرت عنه اجتهادات كثيرة عالج من خلالها قضايا إدارية وسياسية، وقد ورث هذا المنهج عنه أهل المدينة والإمام مالك، لكن سرعان ماتوقف هذا المنهج ؛ لأن مركز السلطة انتقل من المدينة إلى العراق ، أما العراق نفسه فقد كان فيه حركة حياة وعمران ونشاط للمنهج الأصولي ؛ إلا أن العراقيين حصروه في القياس كما أن القياس نفسه حاصروه بالضوابط الدقيقة ، وحتى الاستحسان الذي جاء لمعالجة القياس هاجمه بعضهم حتى أردوه قتيلا في مهده – حسب تعبيره – وبذلك آل الأصول إلى الجمود بعد أن تطور وذلك بفعل انحطاط الدين في حياة الناس ، ثم دعا للأصول العامة وهي المقاصد والقياس الواسع والاستصحاب وأن يكون ذلك من خلال الشورى ، كما دعا أن يكون الإجماع إجماع الأمة لا إجماع أهل الحل والعقد وحدهم[43]
ويمكن صياغة المقترحات التجديدية التي دعا إليها في الآتي:
- · تغليب المنحى العملي على المنحى التجريدي: وهو ماعبر عنه بضرورة وصل علم الأصول بواقع الحياة .
- · تطوير المناهج والقواعد الأصولية : بحيث تكون القواعد الأصولية الجديدة متماشية مع جوانب الحياة العامة التي أصبحت الحاجة فيها للاجتهاد واسعة جدا.
- · توسيع أدوات الاجتهاد: وخصوصا أداتي القياس والاستصحاب ؛ ففيما يخص القياس يرى أن القياس التقليدي لايستوعب حاجاتنا بما غشيه من التضييق انفعالا بمعايير المنطق الصوري ، ومن ثم فلا بد من توسيع القياس ، وذلك باللجوء إلى ما أسماه القياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له الإغريق واقتبسها الفقهاء، ويقصد بالقياس الفطري الحر الموسع ذلك القياس الذي يتتبع طائفة من النصوص ويستنبط من جملتها مقصدا معينا من مقاصد الدين ومصلحة من مصالحه.[44]
الجانب الفقهي حظي باهتمام أكبر من الجانب الأصولي، والدراسات في مجال الاصلاح الفقهي تمثلت في الجهود الفردية التي قام بها العلماء أمثال ابن تيمية ، والغزالي ، والقرضاوي والزحيلي؛ والجهود المؤسسية التي قام بها الأزهر والمجامع الفقهية، فضلا عن الموسوعاة التي صدرت وأبرزها الموسوعة الكويتية وغيرها من الجهود التي تناولت الجانب الفقهي، وسأتناول في هذا البحث بعض المسارت الاصلاحية في مجال الفقه، وهي:-
المسار التأصيلي:
وأعني به مسار تأصيل مسائل الفقه وإبراز أدلتها من الكتاب والسنة، لقد سارت معظم كتب الفقه مسارا يذكر المسائل الفقهية دون أدلتها ، وجاءت الشروح كذلك ، والإمام ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد؛ أعطى الأدلة حقها مع المقارنة بين المذاهب الفقهية، وكذالك الصنعاني في كتابه سبل السلام، وفي عصرنا الحديث حاول العلماء إبراز أدلة الفقه في مؤلفاتهم، ويُعدُّ كتاب: "فقه السنة" لسيد سابق كتابا متميزا سهل العبارة ، مع إيراد الأدلة المقنعة، اعتمد فيه على الكتاب والسنة بصورة أساسية ، وسار على النهج نفسه آخرون، وجاء كتاب الفقه الإسلامي وأدلته لشيخنا الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي؛ كتابا متميزا اعتمد على استنباط أحكامه من مختلف مصادر التشريع الإسلامي النقلية والعقلية (الكتاب والسنة والاجتهاد بالرأي المعتمد على روح التشريع الأصلية العامة)[48] فقد أصل فيه للمسائل الفقهية تأصيلا مقنعا وقارن فيه بين المذاهب الفقهية الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، بأسلوب سهل وتبويب مريح ، ومع أن الكتاب اعتمد على المذاهب الأربعة إلا أن مؤلفه عرف بالمذاهب المتبوعة الظاهرية والزيدية والإمامية والاباضية وذكر بعض أصولها ونقاط الاختلاف بينها وبين المذاهب السنية ، واجتهد لتأصيل المسائل الفقهية وإبراز أدلتها من الكتاب والسنة وبقية المصادر، ولا شك أن هذا الكتاب يُعدُّ إضافة للمكتبة الإسلامية لايستغني عنه طالب العلوم الشرعية وكذلك القضاة وأهل الإفتاء وعامة الدعاة. والشيخ القرضاوي في كتابه الحلال والحرام في الإسلام وفي فتاويه أصل تأصيلا جيدا للمسائل الفقهية ، وسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه الفتاوى أصل لكل المسائل التي تضمنها الكتاب ، ولاشك أن التأصيل للمسائل الفقهية يجعل المسلم مطمئنا لأعماله ومواقفه.
المسار التجديدي:
لقد واجهت العلماء مسائل جديدة فرضت عليهم الاجتهاد لبيان الحكم الشرعي في كافة القضايا التي استجدت في حياة الناس، وهي كثيرة ومتشعبة منها مايتعلق بالأفراد، ومنها مايتعلق بالدول، ومنها مايعلق بعلاقة المسلم مع الآخر الملي، وعلم الفقه هو الذي "يضبط حياة الفرد المسلم، والجماعة المسلمة، والأمة المسلمة؛ بأحكام الشرع، سواء منها مايختص بالعلاقة بينه وبين الله تعالى ، وهو ماينظمه فقه العبادات، أم مايتصل بالعلاقة بين المرء ونفسه ، وهو ماينظمه فقه الحلال والحرام ، وأدب السلوك الشخصي ، أم مايتصل بالعلاقة بينه وبين أفراد أسرته وهو فقه الأسرة من الزواج ومايترتب عليه ، أو مايسمى (الأحوال الشخصية) أم مايتعلق بتنظيم المبادلات والعلاقات المدنية بين الناس بعضهم وبعض ، وهو مايسمى (المعاملات) ويدخل في القانون تحت اسم (القانون المدني) أم مايتصل بالجرائم والعقوبات وهو ما يسمى في الفقه (الحدود والقصاص والتعزير) ويدخل في القوانين تحت عنوان (التشريع الجنائي) أم مايختص بالصلة بين الدولة والشعب، أو بين الحاكم والمحكوم ، وهو مايسمى (بالسياسة الشرعية) ويسمى عند القانونيين (القانون الدستوري) أو (الاداري) وهناك أيضا الجهاد والسير ومايدخل تحت اسم (العلاقات الدولية)[49] هذا القضايا تناولها الفقه قديما ولكنها تحتاج إلى صياغة جديدة ميسرة تلائم طبيعة الإنسان المعاصر " فتجديد الدين إنما يعني نصب ما اندرس من معالمه وإظهار ماخفي من حججه ودلائله ، والكشف عما انكتم من جماله واعتداله وتقوية أثره في حياة الناس الفكرية والعملية والأخلاقية. ومن المعلوم أن الفقه في الدين هو أيضا بحاجة إلى تجديد في كل عصر بهذا المعنى ، وهو تحقيق مسائله وربط فروعه بأصوله وتحرير ما التبس من حججه ودلائله ، وبحث مالم يتطرق بالبحث من مستجدات القضايا ، إذ ليس من المعقول أن يجمد الفقهاء على اجترار ماسبق بحثه من مسائل لاداعي إلى تناولها بالبحث في هذا العصر ، كقضايا الرق والمكاتبة ، ويدَعوا بحث ماهو مطروح على الساحة كالحوالات البنكية وبطاقة الائتمان والاتجار في الأسهم وأطفال الأنابيب ونقل الأعضاء وأمثالها ، إذليس مايدرس لمجرد التنظير كالذي يدرس من أجل الحاجة إليه في العمل والتطبيق "[50]
المسار التيسيري:
شريعة الإسلام من خصائصها التيسير باعتبارها شريعة الرسالة الخاتمة، والأدلة على ذلك معروفة ، والفقه باعتباره متعلقا بالأحكام العملية أحوج مايكون لمنهج التيسير لرفع الحرج والإصر والأغلال عن الناس ؛ وقد خطا الفقه المعاصر خطوات جيدة في مجال التيسير"وهو ما أخذت به وحققته الكتابات الفقهية المعاصرة، وإن كانت بعض المعاهد الشرعية ما زالت تدرس بعض الكتب التقليدية، التي طابعها التعقيد، ويرون في ذلك تدريبا للطلاب على الاتصال بالتراث، وهذا يمكن تحقيقه بجعل مقرر واحد في كل سنة للقراءة من كتب التراث، ومعرفة مصطلحاته لا أن تدرس جميع المقررات من كتب التراث"[51] والدكتور يوسف القرضاوي في بحثه القيم الموسوم ب"نحو فقه ميسر معاصر في أصول الفقه الميسر. فقه العلم" وضع مقترحات ممتازة لتيسير الفقه للفهم وتيسيره للعمل والتطبيق، ففي مجال التيسير للفهم؛ دعا إلى: مراعاة السهولة والتوسط ؛ بأن يكتب بلغة مبسطة وأسلوب سهل بعيد عن الإغراب في الألفاظ والتكلف في العبارات ، وتجنب وعورة المصطلحات الغامضة ، والتوسط بين الإيجاز الملغز والإطناب الممل، ومخاطبة العقل المعاصر باللغة التي يفهمها، واستخدام معارف العصر في بيان الحكم الشرعي، وربط الفقه بالواقع وحذف مالايتصل به، كما دعا لبيان أهمية معرفة الحكمة من التشريع وغيرذلك من الأساليب والوسائل التي تيسرالفهم للإنسان المعاصر.[52]
وفي مجال تيسير الفقه للعمل والتطبيق؛ بين الدكتور القرضاوي أن المقصود بالتيسير في هذا المجال؛ مراعاة جانب الرخص، ومراعاة الضرورات والظروف المخففة، واختيار الأيسر لا الأحوط ، والتضييق في الإيجاب والتحريم ، والتحرر من العصبية المذهبية، والتيسير فيما تعم به البلوى،ومراعاة المقاصد، وتطبيق قاعدة"تغيُّر الفتوى بتغير الزمان، والمكان، والحال،والعرف"[53] وجاءت كتابات الدكتور القرضاوي في هذا المجال تطبيقا لهذا المنهج، وهنالك كثيرون يتفقون مع القرضاوي في هذا المنحى.
المسارالشمولي:
هذا المسار يدعوا أصحابه لتطوير الفقه ليغطي كل المجالات؛ خاصة بعد بروز الحاجة لذلك في الواقع المعاصر، والدكتور جمال الدين عطية من المهتمين بهذا الجانب وقدم تصورا متكاملا لتجديد الفقه مادة وتنظيرا ومؤسسات؛ فحدد اثني عشر ملمحا يطالها التجديد؛ ففي مادة الفقه دعا إلى تقديم اجتهادات جديدة في المسائل القديمة ؛ بما يتفق مع تغير الظروف الزمانية والمكانية، ومثل لذلك بانبثاق مؤسسات اجتماعية للزكاة ، وتحويل زكاة الركاز إلى صندوق لتنمية العالم الإسلامي، وتطويرمؤسسة القضاء وكذلك الوقف ، وأثر نظرية الاستخلاف في الملكية والتكافل، وتطويرمؤسسة الخلافة ، وتطوير مؤسسة الاجتهاد وكذلك مؤسسة الشورى ومؤسسة الحسبة، وتطوير فقه المرأة بعد أن اختلف وضعها من حيث الاستطاعة والطاقة، وتطوير فقه الأقليات بعد اندماجهم في المجتمع، وتطوير النظرة إلى تقسيم العالم إلى دارين أوثلاث[54] وفي المسائل المستحدثة مثل الشخصية الاعتبارية، وبعض صور الشركات المستحدثة، والمؤسسات الفردية ، ومعاملات البنوك، والتأمين، والبورصات، ونقل الأعضاء؛ دعا للاجتهاد للتعامل معها. كما دعا لربط الأحكام بعضها ببعض، وربط الأحكام الجزئية بالمقاصد الكلية العامة للشريعة ولرسالة الإسلام ؛ ويوافقه في ذلك الدكتور وهبة الزحيلي فيقول: " وإنني بصراحة أدعو من زمان في تدريس الفقه إلى ربط الأحكام بمقاصد التشريع الكبرى ، وإدراك الغاية من كل حكم كربطها بالأدلة، ومعرفة الحكمة التشريعية، وتفتح الفقيه على المسائل المعاصرة"[55] وأهم ما دعا إليه الدكتور جمال عطية في نظري؛ ضرورة التوسع في مفهوم الفقه بحيث نعود إلى المفهوم اللغوي للفقه أو نقترب منه، ويعني بالمفهوم اللغوي للفقه الاستعمال القرآني لكلمة "الفقه" والتي كانت تطلق على مجموع العقائد والأخلاق إلى جانب العمل والمعاملات. فحصر الفقه في الجانب العملي عزل حركة المسلم عن أصول دينه، فاستقلت علوم العقائد والتصوف؛ واقتصر إطلاق كلمة (فقه) على مايتعلق بالأحكام العملية[56] واقترح الدكتور جمال الدين ربط العقيدة بالأحكام وبيان أثرها فيها، على نحو قريب من ربط الأحكام بالمقاصد، دون إدخال بحوث علم الكلام ضمن الفقه. وبالنسبة للأخلاق والآداب الشرعية والمقاصد والقواعد؛ فيقترح إدخالها ضمن الفقه بشكل كلي وجزئي حسب الأحوال، وبالنسبة للسياسة الشرعية فيقترح إدخالها برمتها ضمن الفقه ولكن وفقا للتقسيمات الحديثة في القانون العام، والاقتصاد، والمالية العامة، كما دعا لتوضيح الأحكام الشرعية الضابطة للعلوم الطبيعية والإنسانية، والاجتماعية المعاصرة لربطها بمظلة الفقه[57]
النتائج :
في بحثي لهذا الموضوع اطلعت على بحوث متعددة حسب ماسمح به الزمن وتيسر، ومن هذه البحوث بحث قيم بعنوان "التجديد والمجددون في أصول الفقه" دراسة موسعة لجهود المجددين، تأليف أبي الفضل عبدالسلام بن محمد بن عبدالكريم، دراسة تجاوزت الستمائة صفحة ، وهي دراسة شاملة ومعمقة ، وكذلك أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر القحطاني ، وتجديد الفقه الإسلامي للدكتورين جمال عطية ووهبة الزحيلي ، وبيان أثر التجديد والاجتهاد في تنمية المجتمعات الإسلامية المعاصرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ، ونحو فقه ميسر معاصر للدكتور يوسف القرضاوي، والتجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة ، للدكتور خليفة بابكر حسن ، فضلا عن بعض البحوث التي قدمت في ندوة تطور العلوم الفقهية التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان، وبالأخص بحوث ندوة الاجتهاد في الإسلام التي عقدت في عام 1419هـ 1998م وغيرها من البحوث التي أكدت إهتمام العلماء من الأصوليين والفقهاء والمفكرين؛ بموضوع الإصلاح والتجديد في الفقه والأصول، وخلص البحث إلى النتائج التالية:
أولا: موضوع الإصلاح والتجديد والاجتهاد؛ ظل محل إهتمام منذ عصر الخلافة الراشدة وإلى يومنا هذا، فالقضايا التي استجدت في حياة الناس أوجبت البحث عن حلول تستنبط من المصادر الشرعية للتعامل بها، صحيح أن الموضوع يتقدم حينا ويتراجع أحيانا، ولكنه لم يغب عن بال أهل الشأن من العلماء الذين يرجع إليهم عامة المسلمين؛ لمعرفة حكم الشرع في القضايا التي تواجههم ، "على الرغم من شيوع فكرة إغلاق باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع الهجري ومابعده إلى عصرنا الحاضر، بين أهل السنة ، من الناحية النظرية"[58]
ثانيا: دوافع الاجتهاد تتلخص في الحوادث التي تواجه المسلم فيسأل عنها المجتهدين ، أوالمتعلقة بالكليات الخمس وترتبط بها قضايا معاصرة ، كتحديد النسل، وقضايا التأمين على الحياة، والقضايا التي تتعلق بالتشريع والتقنين، والموازنة بين الطرق الخاصة بالاجتهاد التي تسع المجتهدين لتحقيق الغرض من مشروعية الاجتهاد، وهو إيجاد الحلول الشرعية على ضوء الأدلة من الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الإسلامية.[59]
ثالثا: الاتجاه الذي يدعو إلى الاجتهاد والإصلاح والتجديد صار غالبا بل ملحا لدي عدد من العلماء الذين يعتد برأيهم يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: " الضرورة بالغة في حياة الأمة إلى وجود العلماء المجتهدين؛ الذين جمعوا من علم المعقول والمنقول مايجلي لهم خفايا الأمور، ويبصرهم بحكم الأحكام وعلل التشريع ومقاصد الشرع حتى ينزلوا كل أمر منزله، ويعطى كل حادث حكمه... وإذا كان مكان هؤلاء في هذه الأمة مكان الروح من الجسد ومكان الملح من الطعام في جميع العصور، فإن عصرنا – الذي يتميز بسرعة التطور وبكثرة المشكلات وبروز قضايا لم تكن تدور على بال أحد في العصور السابقة – هو أحوج مايكون إلى هذا الصنف من الناس لتبصير عامة الناس بمواطئ أقدامهم حتى لايضعوها حيث الهلكة والبوار، فتبين بهذا أن الاجتهاد مطلب شرعي في جميع العصور".[60]
رابعا: مع بروز الحديث عن أهمية الاجتهاد وضرورته إلا أن الجهود المبذولة لتجديد أصول الفقه ظلت محدودة، ومع محدوديتها؛ فإنها تتناول الموضوع على استحياء ، ونتيجة لذلك "انفض كثير من الدارسين عن علم الأصول، وحصل لهم صدود كبير عنه لفرط صعوبته مع قلة جدواه؛ حيث لايوجد واقع اجتهادي يناسب المادة الأصولية. وهذا بالطبع يحجب عن العلم روح النمو والتجديد التي تنشأ من تداول العقول السديدة له وكثرة المباحثات والمطارحات"[61]
خامسا: انبتت الصلة انبتاتا شبه تام بين الجهد الأصولي والجهد الفقهي وهذه قمة المأساة؛ بل إن البقية الباقية من القواعد الأصولية الدائرة في كتب الفقهاء؛ إنما يتداولها الفقهاء بينهم منذ أزمنة طويلة، وهي إحدى الآثار المتخلفة عن عصور القوة؛ التي كان الأصولي فيها هو الفقيه، والفقيه هو الأصولي، فلما وجد متأخروا الفقهاء هذه القواعد في كتب أئمتهم جعلوا يتناقلونها فيما بينهم دون رجوع إلى كتب الأصول التي هي مظانها الأصلية.[62] وطبعا هذا هو الغالب، ومع أن هنالك محاولات لتصحيح هذا القصور إلا أنها تظل جهود فردية لم تتبلور بعد في منهج عام يلتزمة أكثر العلماء.
1- بما أن أصول الفقه هو العلم الذي يستند عليه الفقه، وأن الفقه يحتاج إلى تجديد كما أجمعت عليه – أوكادت – كلمة الدارسين فلا جرم أن الأصول يحتاج إلى تجديد؛ لأن مادة الأصول في الغالب لم تكن تقصد إلى تكوين الفقيه المجتهد بقدر ماكانت تهدف إما إلى دعم المذهبية وتقرير التقليد، كما جرت عليه طريقة الأحناف – أوطريقة الفقهاء – في التأليف الأصولي ، وإما إلى البحث الحر المرسل الذي لايتغيا التطبيق ولايدرج في مراقي الفقه كما سارت عليه طريقة المتكلمين في الفقه الأصولي.[63] فالاصلاح في أصول الفقه مطلوب لتجديد الفقه.
2- المنهج المقترح لإعادة صياغة وتأليف علم الأصول يستصحب معه : تعظيم الدليل النقلي، وتحري مسلك السلف في الاستنباط، ووجوب الاستدلال والبرهنة، ومراعاة قواعد الاستدلال، وبناء القواعد على الاستقراء، وبث الروح البحثية، والجمع بين الجانبين النظري والعملي، واعتبار علمي الأصول والفقه علما واحدا ذا أصول وفروع، وجعل القواعد الأصولية مؤصلة لكافة أركان الدين، والحرص على الابانة والإفهام، جعل النية والقصد والخلق أساس البحث الأصولي، وتحديد المصادر الصحيحة وحسن الاستمداد منها، استبعاد المواد الدخيلة التي لاتحقق مقصود العلم.[64]
3- بما أن العقل خصيصة إنسانية، وجعله الله شرطا في التكليف، وحكم العقل مرجع في كثير من الأمور؛ آن الأوان لإخراجه من السجال العقيم الذي يجعله في مقابل النقل، وإحياء دوره وتوظيفه في التفكر والتدبر والاعتبار؛ على أساس أن صحيح المنقول لايتعارض مع صحيح المعقول.
4- آن الآوان للانتقال إلى الجانب العملي في الأصول والفقه؛ فالواقع تحكمه الآن أساليب الغلاة والمتطرفين ، حتى كادت أن تكون هي المعتمدة في التعبير عن الإسلام، لقد وجب علينا أن ننفي عن الإسلام تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
1. القرآن الكريم.
2. بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية، لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي. المفتي العام لسلطنة عمان مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
3. اختلاف الاجتهاد وتغيره وأثر ذلك في الفتيا، د. محمد عبدالرحمن المرعشلي. مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1424هـ ـــ 2003م بيروت ـــ لبنان.
4. الفخر الرازي، المحصول ج1 ق1 جامعة ابن سعود.
5. القاضي البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول، المكتبة التجارية.
6. التجديد في أصول الفقه: مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة. د. خليفة بابكر حسن، بحث نشر في مجلة المسلم المعاصر العدد: 125/126 ديسمر 2007م.
7. المستصفى 2/1 الإمام أبو حامد الغزالي.
8. جدل الأصول والواقع، للدكتور حمادي ذويب الطبعة الأولى 2009م دار المدار الإسلامي بيروت ـ لبنان.
9. تجديد الفقه الإسلامي، للدكتور جمال عطية والدكتور وهبة الزحيلي، الطبعة الأولى 1420هـ ـــ 2000م دار الفكر ــــ دمشق ــــ سوريا.
10. معالم وضوابط الاجتهاد عند ابن تيمية، د علاء الدين حسين رحال، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن الطبعة الأولى 1422هـ ـــ 2002م.
11. اجتهادات ابن تيمية في فقه العلاقات الدولية وأثرها على الواقع المعاصر، بحث قدمه: عبدالمحمود أبو ابراهيم، في صنعاء في الندوة التكميلية الإقليمية الرابعة إصلاحات ابن تيمية وأثرها في بناء الدولة التي نظمها مركز الإمام "أبوعبدالله" الشافعي بالأردن.
12. مجلة المسلم المعاصر، العدد(96) السنة الرابعة والعشرون ابريل ـــ مايو ـــ يونيو 2000م.
13. الإسلام والتحول الاجتماعي؛ محاضرة قدمها الصادق المهدي في معهد الشؤون الخارجية ـــ بريطانيا 13 مارس 1979م.
14. نحو مرجعية إسلامية متجددة ـــ متحررة من التعامل الانكفائي مع الماضي والتعامل الاستلابي مع الوافد، الإمام الصادق المهدي الطبعة الأولى 2010م مكتبة جزيرة الورد ـــ القاهرة.
15. إسهامات المعاصرين في تجديد أصول الفقه، د. نورالدين بوكرديد، بحث نشر في مجلة البيان العدد(308) بتاريخ 2/5/2013م.
16. نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه، الدكتور محمد الدسوقي، مجلة إسلامية المعرفة العدد 3.
17. الفقه الإسلامي وأدلته، الجزء الأول أ. د . وهبة الزحيلي، طبعة 2008م دار الفكر، دمشق ـــ سوريا.
18. نحو فقه ميسر معاصر في أصول الفقه, الميسر فقه العلم. الدكتور يوسف القرضاوي.
19. الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني ودعوته ـــ الدكتور عبد الودود شلبي دار المعارف ـــ القاهرة 1979 ص 248.
20. الخصومة في مهدية السودان، بروفيسر محمد ابراهيم أبوسليم، كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلاميا وسودانيا، إصدارات مركز أبوسليم للدراسات، الطبعة الأولى ـــ الخرطوم 1425هـ /2004م.
21. التنوع في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ودور الشورى في إدارته ـــ دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، عبدالمحمود أبو ابراهيم، جامعة أم درمان الإسلامية 1434هـ ـــ 2013م.
22. بحوث ندوة الاجتهاد في الإسلام ـــ وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان.
23. التجديد والمجددون في أصول الفقه ـــ دراسة موسعة لجهود المجددين من علماء الأصول تنتهي إلى استخلاص منهج إصلاحي سديد، أبوالفضل عبدالسلام بن محمد بن عبدالكريم، الطبعة الثالثة 1428هـ ـــ 2007م مكتبة المسجد النبوي الشريف رقم الكتاب 109709 تاريخ التسجيل 20/5/ 1431هـ.
[1] سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي . المفتي العام لسلطنة عمان , بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية صفحة 18 مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
[2] د محمد عبدالرحمن المرعشلي . اختلاف الاجتهاد وتغيره وأثر ذلك في الفتيا ، ص 9 مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى 1424هـ - 2003 م بيروت – لبنان
[3] وإنما سميت كذلك من لفظ حديث " ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرّم فهو حرام ، وماسكت عنه فهو عَفْوٌ ..." الحديث رواه الحاكم في" المستدرك " (2/375) عن أبي الدرداء وقال الذهبي في "التلخيص" صحيح ، والمقصود: المنطقة التي تبرز أدلة التشريع فيما لانص فيه. أنظر ا د. محمد عبدالرحمن المرعشلي ، اختلاف الاجتهاد زتغيره ص11 مرجع سابق
[4] المرجع السابق ص 11
[5] الخليلي مرجع سابق ص7-8
[6] الفخر الرازي ، المحصول ج1 ق1 ص94 جامعة ابن سعود
[7] القاضي البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول ص1 المكتبة التجارية
[8] د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة . بحث نششر في مجلة المسلم المعاصر العدد: 125/126 ديسمر 2007م
[9] ابن خلدون ، المقدمة 454 راجع المرجع السابق
[10] د خليفة بابكر ، مرجع سابق
[11] الإمام أبو حامد الغزالي ، المستصفى 2/1
[12] عبدالمجيد الشرفي تقديم لكتاب جدل الأصول والواقع للدكتور حمادي ذويب صفحة 8-9 الطبعة الأولى 2009م دار المدار الإسلامي بيروت - لبنان
[13] يقصد عام 1974م حيث كتب افتتاحية مجلة المسلم المعاصر وبتاريخ اليوم يكون أكثر من أربعين عاما
[14] د. جمال عطية ، د. وهبة الزحيلي، تجديد الفقه الإسلامي ، كتاب جمع بحثين بنفس العنوان واحد للدكتور عطية والثاني للدكتور وهبة الزحيلي ، صص16-17 الطبعة الأولى 1420هـ - 2000م دار الفكر – دمشق – سوريا
[15] راجع في هذه التقسيمات ، د. جمال الدين عطية " التنظير الفقهي " 45-47 وراجع د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة
[16] المرجع السابق
[17] د علاء الدين حسين رحال، معالم وضوابط الاجتهاد عند ابن تيمية ص164 دار النفائس للنشر والتوزيع . الأردن الطبعة الأولى 1422هـ - 2002م
[18] مجموع الفتاوي 11/354
[19] مجموع الفتاوي 20/583
[20] مجموع الفتاوي 32/234
[21] د علاء الدين حسين رحال ، معالم وضوابط الاجتهاد عند ابن تيمية ص193- 194 مرجع سابق
[22] السابق
[23] من ورقة قدمها الباحث في اليمن بتاريخ 29 أبريل 2014 بعنوان "اجتهادات ابن تيمية في فقه العلاقات الدولية وأثرها على الواقع المعاصر" التي نظمها مركز الإمام "أبوعبدالله" الشافعي بالأردن
[24] د خليفة بابكر ، مرجع سابق
[25] المرجع السابق
[26] د أحسن لحساسنة ، معالم التجديد الأصولي عند الإمام الششاطبي ، رسالة دكتوراة مخطوطة ، باب مضامين التجديد الأصولي عند الشاطبي ، المصدر د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وارهاصاته المعاصرة ، مرجع سابق
[27] اسماعيل محمد شعبان، التجديد في أصول الفقه
[28] د جمال الدين عطية ، مجلة المسلم المعاصر، العدد(96) السنة الرابعة والعشرون ابريل – مايو – يونيو 2000م
[29] أبو الفضل عبدالسلام بن محمد عبدالكريم ، التجيد والمجددون في أصول الفقه ، مرجع سابق
[30] الدكتور محمد الدسوقي ، نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه ، مجلة إسلامية المعرفة العدد 3 ص 111- 148
[31] د نورالدين بوكرديد، مرجع سابق
[32] د غالية بوهدة ، مجالات تجديد علم أصول الفقه ، مجلة المسلم المعاصر – العدد 118 السنة الثلاثون أكتوبر- نوفمبر – ديسمبر 2005 ص 42 هامش2
[33] د جمال الدين عطية ، النظرية العامة للشريعة الإسلامية ، مرجع سابق . راجع د. خليفة بابكر حسن ، مرجع سابق
[34] تطور علم أصول الفقه بين الواقع والآفاق ص 27 ، راجع د خليفة بابكر حسن ، مرجع سابق
[35] د خليفة بابكر حسن ، التجديد في أصول الفقه : مشروعيته وتاريخه وإرهاصاته المعاصرة
[36] المرجع السابق بتصرف
[37] الإمام الصادق المهدي هو الإمام الخامس لجماعة الأنصار في السودان ولد في عام 1935م وتلقى العلوم الشرعية في مجلس جده الإمام عبدالرحمن المهدي الذي كان يضم كبار العلماء، وعلوم اللغة العربية على يد الشيخ الطيب السراج من أشهر علماء اللغة العربية في السودان ، ثم واصل تعليمه إلى أن تخرّج في جامعة أكسفورد في تخصص الاقتصاد والعلوم السياسية ، وتوسّع في دراسة العلوم الشرعية والمدنية حتى أصبح حجة في الفقه المقارن بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، له مؤلفات عديدة في الفكر والسياسة والدعوة والثقافة الإسلامية . ومن مؤلفاته فيما يتعلق بموضوع هذا البحث : الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة، مستقبل الإسلام في السودان، العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الإسلامي الاجتماعي ، جدلية الأصل والعصر، المرأة وحقوقها الإسلامية والإنسانية، نحو مرجعية إسلامية متجددة.
[38] (الزواج والطلاق في جميع الأديان بقلم الشيخ المراغي ص 118).
[39] المرجع السابق
[40] الإمام الصادق المهدي ، نحو مرجعية إسلامية متجددة – متحررة من التعامل الانكفائي مع الماضي والتعامل الاستلابي مع الوافد، ص20 الطبعة الأولى 2010م مكتبة جزيرة الورد – القاهرة - مصر
[41] المرجع السابق، ص 31
[42] الإمام الصادق المهدي ، نحو مرجعية إسلامية متجددة الصفحات 20 -29 مرجع سابق
[43] د حسن عبدالله الترابي ، " تجديد أصول الفقه الإسلامي " الطبعة الأولى 1400هـ 1980م طبعة دار الفكر للنشر والتوزيع – الخرطوم ، المصدر د خليفة بابكر حسن ، مرجع سابق
[44] د. نورالدين بوكرديد ، إسهامات المعاصرين في تجديد أصول الفقه ، بحث نشر في مجلة البيان العدد(308) بتاريخ 2/5/2013م
[45] الدكتور محمود الطحان الأستاذ المساعد بجامعة الكويت سابقاً " مفهوم التجديد بين السنة النبوية وبين أدعياء التجديد المعاصرين" راجع خليفة بابكر مرجع سابق
[46] المرجع السابق
[47] دكتور خليفة بابكر ، مرجع سابق
[48] أ . د . وهبة الزحيلي . الفقه الإسلامي وأدلته ، الجزء الأول ص24 ، طبعة 2008م دار الفكر ، دمشق – سوريا
[49] الدكتور يوسف القرضاوي. نحو فقه ميسر معاصر. في أصول الفقه, الميسر فقه العلم.ص11
[50] الخليلي مرجع سابق ص 70
[51] الدكتور جمال عطية ، تجديد الفقه الإسلامي
[52] الدكتور يوسف القرضاوي ، نحو فقه ميسر معاصر، الصفحات 16- 23 مرجع سابق
[53] المصدر السابق الصفحات 24-37
[54] من تعقيب د. محمد عمارة في ندوة تجديد الفقه (القاهرة 13/12/1998) مجلة المسلم المعاصر العدد 90 ص171- 172
[55] الدكتور وهبة الزحيلي ، تجديد الفقه الإسلامي ص260 مرجع سابق
[56] د جمال عطية ، مرجع سابق
[57] السابق ص26
[58] الدكتور وهبة الزحيلي، تجديد الفقه الإسلامي ص220 مرجع سابق
[59] معالي السيد محمد أحمد الشامي . بحوث ندوة الاجتهاد في الإسلام التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان
[60] سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية المعاصرة, ص46-447 مرجع سابق
[61] أبوالفضل عبدالسلام بن محمد بن عبدالكريم ، التجديد والمجددون في أصول الفقه – دراسة موسعة لجهود المجددين من علماء الأصول تنتهي إلى استخلاص منهج إصلاحي سديد، ص43 الطبعة الثالثة 1428هـ - 2007م مكتبة المسجد النبوي الشريف رقم الكتاب 109709 تاريخ التسجيل 20/5/ 1431ه
[62] المرجع السابق ص44
[63] المرجع السابق ص66
[64] المرجع السابق الصفحات 554 – 562 بتصرف
<photo id="1" />
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق