بسم الله الرحمن
الرحيم
خطبة
الجمعة التي ألقاها الحبيب آدم أحمد يوسف
نائب الأمين العام لهيئة شئون الأنصار بمسجد
الهجرة بودنوباوي
10 يوليو 2015م الموافق 23 رمضان1436هـ
الخطبة
الأولى
الحمد لله الوالي
الكريم والصلاة على حبيبنا محمد وآله مع التسليم، قال تعالى: ﭽإِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ
اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﭼ شهر رمضان هو شهر الانتصارات
والفتوحات والنفحات الربانية ففي السابع عشر منه كانت بدر الكبرى وفي العشرين منه
كان فتح مكة وفي العشر الأواخر يتحرى الصائمون ليلة خير من ألف شهر.
بدر من أعظم الدروس
المستفادة منها هو أن الحق سينتصر ولو بعد حين وأن النصر لم يكن بكثرة العدد وقوة
العدة وإنما بالصدق واليقين. أما فتح مكة فهو انتصارا للتوحيد وهدما للشرك فقد كان
بالبيت الحرام 360 صنما وهذا العدد يمثل عدد درجات الدائرة والقصد من ذلك أن الشخص
تحيط به الأصنام في شكل دائرة تحميه وهذا من أفكار قدام الرومان الذين برعوا في الشرك
وصناعة الأصنام والآلهة فقد جعلوا لكل فصل من فصول السنة إله وجعلوا للحرب إله
وجعلوا للحب إله وللخصوبة والإنجاب إله وهكذا عددوا الإلهة ومن ثم صدروها للعرب
وغيرهم حتى يشاركوهم شركهم هذا لذلك عندما جاء الإسلام ونفى تعدد الإلهة استغرب
العرب من ذلك حيث جاء على لسانهم في القرآن الكريم (أَجَعَلَ
الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) وضاف العرب لتلك الإلهة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ثم هُبل
كبير الأصنام جاءوا بهذه الأصنام من كل حدب وصوب وجعلوها في بيت الله الحرام ولم
يكتفوا بها في بيت الله بل جعلوا منها آلهة صغيرة في منازلهم وإذا سافروا حملوها
معهم كل ذلك لتدفع عنهم الضر وتجلب لهم الخير وهذه الأوهام صورها إبليس عليه لعنة
الله لقوم نوح وبدءوا بتصوير تماثيل للرجال صالحين انتقلوا إلى الدار الآخرة فأوحى
الشيطان لبعض الناس أن يصنعوا لهم هذه التماثيل ويجعلوها في مكان صلواتهم
وعباداتهم لتكون رمزية لهم فقد صوروا ودّا وسواعا ويغوث ويعوقا ونسرا فهؤلاء كانوا
رجالا صالحين وظل نوح عليه السلام يدعوا قومه لتوحيد الله ألف إلا خمسين عاما ولكن
لسان حالهم يقول (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا). وعندما يئس نوح عليه السلام منهم دعا عليهم (وَقَالَ
نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ
إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا).
أما تجربة الحبيب
المصطفى صلى الله عليه وسلم مع أولئك المشركين فكانت بالحوار وإعمال العقل وترجيح
المقارنة حيث جاء صلى الله عليه وسلم ذات يوم وقال لأحدهم لو كان لك عقل لما عبدت
صنما لا يدفع الضر عن نفسه وجاء الإعرابي بعد هنيهة ووجد ثعلبا بال على إلهه فتعجب
من صحة حديث رسول الله فأنشأ يقول:
أرب يبـول
الثعلبـان برأسه تبا علـى من بالت عليه الثعالب
لــو كــان
ربا لكان يمنع نفسه لا خير فــي رب نأت به المطالب
كفرت
بالأصنام في الكون كلها وآمنت بالله الذي لا إله إلا هو غالب
بهذا الأسلوب وبهذا
المنطق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكار قريش فبدل أغلبهم من عبادة الأوثان
والأصنام إلى عبادة رب العباد. فتح مكة يمثل حدثا عظيما لأن تلك الأوهام قد تحطمت
حسا ومعنا عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة وبدء يكسر تلك الأصنام
وهو يقول (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ
إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) فكسر القرشيون تلك الأصنام التي صنعوها بأيديهم وعبدوا الواحد الأحد
الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وبعد فتح مكة توحد صف
الموحدين وانطلق الإسلام كالشهاب خارج جزيرة العرب فانداح في أرجاء المعمورة حتى
وصل بلاد السند وبلاد الإفرنج ودخل أدغال وغياهب أفريقيا وانتشر بعض صحابة رسول
الله حاملين القرآن والحكمة عن ظهر قلب وعلى صدورهم حتى قال الإمام ابن تيمية رحمه
الله (ولا يصحُ حصر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوين بعينها لأن
بعض الرجال حملوها في صدورهم وتفرقوا بها في الأمصار ) فكانت تلك الأحاديث
والمواعظ والحكم التي أخذوها عن رسول الله كانت عبارة عن مصابيح تضيء ظلمة العصور
والدهور وكانت نبراسا ومنهاجا لتصحيح وتقويم حياة البشرية بأكملها فقد كانت
للحضارة الإسلامية بصمات واضحة في بلاد الأندلس ولكن عندما حاد حكام المسلمين عن
جادة الطريق التي جاء بها الإسلام دائرة الدائرة على المسلمين وجاء التتار والمغول
والإفرنج وأحاطوا بالدولة الإسلامية إحاطة السوار بالمعظم وأسقطوها واُستعمرت بلاد
المسلمين وأصبحنا ننقاد بعد أن كنا نقود الدنيا إلى بر الأمان. واليوم لا يصلح حال
الأمة إلا بما صلح به أولها ألا وهو ذلك النهج الذي جاء به رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ذلك النهج الذي لا إكراه فيه قال تعالى (لاَ
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) النهج الذي لا سيطر ولا وصاية على الآخرين فيه قال تعالى (لَّسْتَ
عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)
والنصوص في هذا الصدد تفوق حد التواتر لا استبداد في الحكم ولا إرعاب ولا إرهاب في
المعارضة ومن أكبر المصائب التي أصيبت بها هذه الأمة هو استبداد حكامها الذين لن
يخافوا الله ولن يراعوا حقوق المعارضين والأقليات وقد انعكست الآية تماما ففي بلاد
غير المسلمين يمكن للمواطن أن يقاضي رأس الدولة وينتصر له القانون وتلك كانت
بضاعتنا فقد وقف عليا كرم الله وجه خصما مع يهودي عند قاضي الإسلام شُريح ولم يقض
القاضي لعلي لعدم اكتمال بينته. فكان هذا العدل سبب إسلام ذلك اليهودي الذي هو
أصلا لم تكن الدرع التي قاضى فيها علي هي له بل كانت لعلي ولكن عندما عجز علي عن
البينة لم يحكم القاضي لصالحه هكذا كنا وأين نحن اليوم من هذا.
اللهم جنب بلادنا
الفتن ما ظهر منها وما بطن.
الخطبة
الثانية
قال تعالى (لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا
يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
التاريخ هو الماضي من
الزمان لأقوام عاشوا وخلدوا ذكراهم والقرآن الكريم يروي لنا تاريخ المصلحين
والمفسدين فتاريخ الصالحين ليكون لنا قدوة وزادا في مقبل أيامنا أما تاريخ
المفسدين لنتعظ به ونتجنب سبل هلاكهم والأمم والشعوب دائما ما تفتخر بتاريخ أسلافها
التليد ونحن في أرض السودان كان لنا تاريخا عظيما خلده الأسلاف، تاريخ علينا أن نفتخر
به عبر القرون والدهور ففي زمن فيه شعوب العالم لا تعرف حقوق الإنسان بل كان
القانون السائد هو البقاء للأقوى نعم قانون الغاب هو السائد بين الشعوب ولما كانت
بريطانيا تكنى ببريطانيا العظمى تلك الامبراطورية التي لا تغيب الشمس عن
مستعمراتها كانت هي الخصم اللدود الذي قابله أسلافنا بسلاح لم يكن متكافئ لسلاحهم
فقد كانوا يستعملون مدفع المكسيم الذي يحصد الأنفس من على بعد عشرات الكيلومترات
وفي المقابل كان أسلافنا سلاحهم سيف العُشر والحراب البدائية هكذا كانت المقارنة
في العدة والعتاد ورغم هذا كانت الغلبة والنصرة لجند الله تحقيقا لقوله سبحانه وتعالى: (وَإِنَّ
جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) هكذا
استمرت المعارك منذ أبا الأولى في 17 رمضان 1298هـ الموافق 12/8/1881م ومن ثم معركة راشد بك أيمن
ومعركة الشلالي وحصار وفتح الأبيض ومعركة شيكان في 5/11/1883م ثم تُوج هذا النصر
بتحرير الخرطوم في 26/1/1885م كل هذه المعارك وغيرها من المعارك الصغيرة الأخرى
كان النصر حليف أنصار الله أحباب الإمام الهدي عليه السلام فقد كانت عناية الله
ظاهرة لا تخطئها إلا عينا أصابها الرمد حتى أن الأعداء اعترفوا بأن السماء كانت مع
أولئك. وفي معركة شيكان الشهيرة كانت إشارات البروجي والتي تقول العدو من أعلى
اضرب أعلى كانت تلك الإشارات التي أزعجت الجنرال هكس باشا حتى قام بضرب صاحب
البروجي فأرداه قتيلا وسقط من على شجرة التبلدي التي كان صاعدا عليها يرسل إشارات
التوجيه للجنود. ذلك التاريخ التليد كتبته أيادي الأعداء الذين هُزموا مرات ومرات
ومن بعد ذلك اجتمعت القوة الاستعمارية برئاسة بريطانيا ليقولوا قولهم في شأن تلك
الدولة الوليدة التي كانت في قلب إفريقيا فكان التحالف الأوربي الذي أسقط دولة المهدي
على سفح جبل كرري في 2/9/1898م ومن ثم قامت أقلام المخابرات البريطانية بكتابة
تاريخ المهدية. وأذكر أن الأستاذة ففيان ياجي أستاذة التاريخ بجامعة أم درمان
الإسلامية وهي سيدة فرنسية الجنسية ذكرت لنا أنها عندما أوكلت لها ترجمة تاريخ
المهدية كانت أول ملاحظة لها كيف يكتب خصم تاريخ خصمه وكانت ملاحظات الأستاذة
ففيان أن الإنجليز تلاحقهم تلك الهزائم عبر القرون والذي يؤكد مقولتها ما أنتجه
البريطانيون وأعوانهم من كتب وروايات ومسرحيات وأفلام تحكي تاريخ المهدية آخرها
فيلم Four
farther والذي عُرض في بريطانيا أخيرا وكان فيلما مسيء للمهدية ولتاريخها
وواصف رجالها بالهمج والدراويش كل ذلك لتبييض وجه بريطانيا المنهزمة في وجه أولئك
الرجال وقالت الأستاذة ففيان إنها لاحظت أن الإنجليز حاولوا تشويه المهدية من خلال
هدم الدولة فإذا استطاعوا هدم الدولة يكونوا قد نجحوا في ذلك لأنهم يريدون أن
يقولوا هؤلاء ليسوا أهلا لأن يقيموا دولة وعندها تتحقق فريتهم التي تقول هؤلاء هم
الدراويش الذين حالفهم الحظ في هزيمتنا ولكن واقع الحال يقول لهم إن الحظ لا يحالف
مرات ومرات إذاً عليكم مراجعة أنفسكم. إن الإنجليز في كتاباتهم لتاريخ المهدية
حاولوا تشويه صورة خليفة المهدي فوصفوه بالطاغية والغاشم والمتجبر إلا أن كرامة
خليفة المهدي جعلت قلم المخابرات البريطانيا وليستون شرشل في كتابه حرب النهر
المجلد الثاني أن ينفي تلك الاتهامات بقوله (لقد وجد الخليفة (خليفة المهدي) في
رحاب جنوده المنهزمة الترحاب والحماية ما يؤكد عدم صحة ما يروج عنه من صفات
الطاغية والغاشم والمتجبر فقد برز جليا إنها لم تكن من الواقع وإلا تخلت عنه جيوشه
بعد المعركة).
لله درك يا خليفة
الصديق فقد انطق الله قلم المخابرات البريطاني بأن يكتب لك براءة رغم أنفه والمؤسف
حقا أن بعض أبناء السودان والذين كان أسلافهم قد وقفوا مواقف مخذية فكانوا مع
الإنجليز جنودا جاءوا ليهدموا دولة الإسلام التي أقامها أنصار الله فهؤلاء يسيئهم
ذلك التاريخ الناصع لذلك تجدهم يشجعون ما كتب أقلام المخابرات البريطانية لتزييف
الحقائق وكان الإنجليز يريدون أن يقزموا دور خليفة المهدي فلذلك تجدهم حاولوا أن
يحصروه في قبيلة لذلك كانوا يسمونه (عبد الله التعايشي) وتلك إشارة خبيثة من
الإنجليز لإحياء النعرة القبلية بين بني السودان الذين صهرتهم المهدية في بوتقة
الإسلام الواسعة فهم يعلمون جيدا أن كلمة القبيلة تثير نعرات بين قبائل السودان
فكانت تلك أول محاولة لتقسيم المهدية إلى قبائل ومن ثم جاءت فكرة أبناء الغرب
وأبناء البحر لتوسيع الهوة أكثر ولكن الإمام المهدي عليه السلام قطع الطريق أمامهم
عندما كتب منشورا مبينا فيه مقام الخليفة عبد الله ووظيفته حيث قال (إعلموا
أيها الأحباب أن الخليفة عبد الله خليفة الصديق المقلد بقلائد الصدق والتصديق فهو
خليفة الخلفاء وامير جيش المهدية المشار إليه في الحضرة النبوية فذلك السيد عبد
الله بن محمد حمد الله عاقبته في الدارين فحيث علمتم ذلك أيها الأحباب أن الخليفة
عبد الله هو مني وأنا منه فمن كان منكم مؤمنا بالله واليوم الآخر ومصدقا بمهديتي
فليسلم للخليفة عبد الله ظاهرا وباطنا وإنما أنذرتكم بهذا رحمة بكم وشفقة عليكم
وليبلغ الشاهد منكم الغائب لئلا تسبوه وتنسبوا إليه الظلم والجور فتهلكوا فاحذروا
عن أذية أولياء الله) وهذا جزء من منشور طويل كتبه الإمام المهدي في حق خليفته
ولله در من قال فيه:
دوب للمندورم
دوب للبنزورم
دوب للبنشورم وسماع
منشورم
دوب للمو ساهي
دوب للمو لاهي سيدي
عبد الله تاج أهل الله

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق