الجمعة، 3 يوليو 2015

خطبة الجمعة 16 رمضان143هـ التي ألقاها الأمير: عبدالمحمود أبو بمسجد الهجرة بودنوباوي



خطبة الجمعة 16 رمضان143هـ
التي ألقاها الأمير: عبدالمحمود أبو بمسجد الهجرة بودنوباوي
أعوذ بالله من الشيطن الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لك يا الله حمدا يوافي نعمك، ويكافي مزيدك، ولك الحمد لذاتك حمدا يوافي مرضاتك،وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وسيلتنا إليك، وعلى آله وأصحابه الذين عملوا بوحيك واتبعوا هدي نبيك صلى الله عليه وسلم. وبعد:
قال تعالى:" مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا  بَدَّلُوا تَبْدِيلاً" صدق الله العظيم
أحبابي في الله وأخواني في الإنسانية؛
اليوم تَمُرُّ بنا الذكرى الثامنة والثلاثون بعد المائة؛ لواقعة الجزيرة أبا الأولى، التي كانت يوم الجمعة السادس عشر من رمضان في مثل هذا اليوم تحديدا، حيث واجهت الفئة المؤمنة مع الإمام المهدي؛ قوات الحكومة المدججة بالسلاح الناري، فهزمتها شرًّهزيمة، وولَّت الأدبار مخلفة وراءها عددا من القتلى والعتاد، إنها أول معركة وقعت بين الإمام المهدي وقوات الإحتلال.
وتوافقت معركة أبا مع معركة بدر، فالمعركتان كانتا في شهر رمضان في يوم الجمعة، وعدد المجاهدين في المعركتين كان متطابقا، وهما أول المعارك التي وقعت بين أهل الدعوة والأعداء، وفي كلتا المعركتين تحقق نصر الفئة المؤمنة على الفئة الباغية.
          لقد جاءت دعوة الإسلام بمفاهيم تتصادم مع مفاهيم المجتمع الجاهلي؛ فالتوحيد يتصادم مع الشرك، ووحدة الأصل الإنساني تتصادم مع التَّمايُز الطبقي، والدعوة إلى السلم تتصادم مع ثقافة التفاخر بالأنساب والتعصب القبلي، الذي يجعل كل قبيلة إمّا مُغيرة وإما مُغَار عليها، على حد قول القائل:
وماأنا إلا من غَزِية إن غَوَت               غَوِيت وإن تَرْشَد غَزِيَّةُ أَرْشَد
لقد جاء الإسلام لتصحيح العقائد والمفاهيم الخاطئة، وإقامة مجتمع الفضيلة، والعدل والرحمة والمساواة والإيثار، وبفضل الله ثم بالقيادة الحكيمة لنبي الرحمة تحقق هذا الهدف في مجتمع المدينة المنورة، ثم انتشرت قيمه في كل أنحاء العالم في ظل الخلافة الراشدة.
          ودعوة المهدي في حقيقتها جاءت مجددة لهذه المعاني والقيم، التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي رسالته للأمير محمد خالد زقل عندما عينه حاكما على دارفور، خاطبه الإمام المهدي قائلا:
"فمن عبد ربه محمد المهدي بن عبدالله إلى حبيبه وابن عمه ونائبه في إقامة الدين الأمير محمد خالد الشهير بزُقَل. أما بعد، فقد بايعناك على اتباع الكتاب والسنة، واقتفاء آثاره صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين. فعليك بتقوى الله، ومراقبته في السر والجهر والعلانية، وأن لاتُقدم على أمر حتى تعلم حكم الله فيه، وأن تَسْلخ حُبَّ الدنيا من قلبك، وتجاهد نفسك على ذلك دائما. وأوصيك إذا عُرِض عليك أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة،  فَقَدِّم ماهو للآخرة واترك ماهو للدنيا. وأوصيك ألا تُؤثر على محبة الله ورسوله والدارالآخرة شيئا، خصوصا أمر الجهاد في سبيل الله، فهو القصد الأكبر، وأْمُر نفسك وأصحابك أن يتواصَوْا بالحق ويتواصَوْا بالمَرْحَمَة، وعليكم بالعدل في القول والفعل. وعليكم بالرِّفق والشفقة على الضعفاء والمساكين، خصوصا الناس المُسَلِّمين للمهدية، فلا تتعرضوا لهم بِوَجْهٍ. وإياكم والحسد والعظمة والكبرياء فأَخْلوها عن قلوبكم، فعسى الله أن يُبَدِّل عنكم بالندم على مافات سيئاتكم حسنات، فتواضعوا لله رب العالمين، واسلكوا مسلك الأنبياء والمرسلين. وليكن سعيكم دائما في ابتغاء مرضات الله ورسوله ، كما قال تعالى: "لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"[النساء: 11] فاعتبروا يا أولي الأبصار. وبالجملة فلاينبغي لك بعد هذا أنت وأصحابك أن تمكثوا على أحوالكم السابقة، فتلك حالة بدّلها الله تعالى وغيَّرها عنكم، وقد علمتم أن متاع الدنيا قليل وأن الآخرة خير لمن اتقى. فاتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه. فعليكم بالتجرد مما بَقِيَ من عَلائِق الدنيا، وتأسَّوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وعليكم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الشريعة المحمدية، وزِنُوا حالكم ومقالكم بميزان قوله تعالى: " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون"[الأنعام:152] ثم قال تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه.."[الأنعام: 153] ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، والسلام"[1] 
إن التوجيهات الواردة في منشور الإمام المهدي لِزُقَل تتلخص في الآتي:
أولا: أَنّ البيعة قائمةٌ على اتباع الكتاب والسنة، والاقتداء بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، ومعلوم أن توجيهات الكتاب والسنة المتعلقة بالحكم والتي جسدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتدى به خلفاؤه الراشدون؛ تتمثل في العدل والشورى، وكرامة الإنسان، وصيانة الحقوق والرفق بالعباد، والسهر على راحتهم، وتوفيرمايحتاجون له من أمن وغذاء ودواء. قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم من وَلِيَ من أمر أمتي شيئا، فرَفَقَ بهم فارْفُق به، ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئا فشَقَّ عليهم فاشْقُق عليه" .
ثانيا: الالتزام بصفات الوالي الصالح، والتي تمثلت في توجيهات الإمام المهدي لواليه على دارفور، بأن يلتزم  بتقوى الله، ومراقبته في السر والجهر والعلانية، وأن لايُقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وأن يَنسلخ عن حب الدنيا ، ويجاهد نفسه على ذلك دائما. وأوصاه إذا عُرِض عليه أمران أحدهما للدنيا، والآخر للآخرة،  فليُقَدِّم أمر الآخرة على أمر الدنيا. وأوصاه بأن لا يُؤثر على محبة الله ورسوله والدار الآخرة شيئا، خصوصا أمر الجهاد في سبيل الله، فهو القصد الأكبر.
ثالثا: أمره هو وأصحابَه في قيادة الإقليم؛ أن يتواصَوْا بالحق ويتواصَوْا بالمَرْحَمَة، ويَبسُطوا العدل، ويلتزموا به في أقوالهم وأفعالهم. وأن يَرْفِقوا ويُشْفِقوا على الضعفاء والمساكين. ونهاهم عن الحسد، وتعظيم النفس والكبرياء، فعسى الله أن يُبَدِّل عنهم بالندم على مافات من سيئاتهم حسنات، وطلب منهم أن يتواضعوا لله رب العالمين، وأن يسلكوا مسلك الأنبياء والمرسلين. وأن يكون سعيهم دائما في ابتغاء مرضات الله ورسوله.
رابعا: المهدية جاءت حركةَ تَجْدِيدٍ وتغيير وإصلاح، ولذلك طَلَب منهم أن يَتجرَّدوا من كل مظاهر حياتهم السابقة ، فقال لهم: "وقد علمتم أن متاع الدنيا قليل وأن الآخرة خير لمن اتقى. فاتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه. فعليكم بالتجرد مما بقي من علائق الدنيا، وتأسَّوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وعليكم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الشريعة المحمدية، وزِنُوا حالكم ومقالكم بميزان قوله تعالى: " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون".
أحبابي في الله:
المهدية رؤيتها واضحة في إحياء الدين، وتجديد التدين، وإصلاح حال العباد والبلاد، وستجدون رؤيتها المتكاملة في وثائقها التي جمعها الدكتور أبوسليم رحمه الله، فهي ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الحديث:
قال صلى الله عليه وسلم: "«يِأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دينه كالقابض على الجمر» رواه الترمذي.
أوكما قال يغفر الله لي ولكم وللمسلمين أجمعين

الحمدلله الوالي الكريم والصلاة على سيدنا محمد وآله مع التسليم
وبعد:
قال تعالى:" قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً "
صدق الله العظيم
أحبابي في الله:
تناول الرأي العام في الأسبوع المنصرم ظاهرة التحاق عدد من الشباب السودانيين بنتظيم داعش، وبينهم أبناء مسئولين في الدولة، وأبناء أسر ميسورة الحال، وشعر السودانيون أن تنظيم داعش تسرب إلى داخل بيوتهم مما بات يشكل خطورة على المجتمع السوداني المعروف بِتَسامُحِه.
إننا أمام هذه الظاهرة نقول الآتي:
أولا: إن فكر الإنسان تشكله عدة عوامل منها؛ البيئة التي تحيط به، وأساليب التربية، والمفاهيم التي يتلقاها في التعليم، وخبرته عن الحياة والكون، وفي عصرنا الحاضر دخلت عوامل العولمة المتمثلة في الوسائط الإعلامية، ومواقع التواصل الإجتماعي، فضلا عن الأشخاص الذين يعتبرهم نموذجا للقدوة.
ثانيا: حالة الإحباط العامة التي تحيط بالمجتمعات الإسلامية، بسبب الإستبداد الداخلي، والتخلف التنموي، والغزو الخارجي: الثقافي والسياسي،والاحتلال الأجنبي،  والعدوان على الرموز والمقدسات من بعض النظم والجماعات الغربية؛ مع وجود حماية دولية للمعتدين؛ كل ذالك يدفع الشباب للبحث عن الخلاص من الأوضاع التي يعيشون فيها.
ثالثا: التوازن في الحياة من أهم عوامل الاستقامة الإنسانية، والاستقرار النفسي لايتحقق بتوفير الماديات فقط، فالجانب الوجداني من أهم خصائص الإنسان، وهو يُشبع بالإيمان والحب ووجود أمل في الحياة، فمعظم الشباب المنخرطين في الحركات المتطرفة يفتقدون هذه الأمور في حياتهم، بالرغم من توفر أسباب الحياة المادية لأسرهم، فالخواء الروحي والجوع العاطفي وفقدان الأمل؛ مداخل مهمة للمتطرفين لتجنيد الشباب لأنهم يقنعونهم بأن جنّتَهم التي يتطلعون إليها موجودة في دولة الخلافة المزعومة التي أقامها تنظيم داعش.
رابعا: النظام السوداني رفع شعارات إسلامية كبيرة وطبق نقيضها، وكثير من الشباب المخلصين لاحظوا التناقض بين الشعارات المرفوعة والواقع النقيض، وربما شاركوا في تثبيت أركان النظام، ولتكفير سيئاتهم وجدوا أن أقرب وسيلة هي الإنضمام للجماعات المتطرفة، وهم يظنون أنهم يحققون التطهر لذواتهم بالقتال تحت رايتها وهم يحسبون أن عملهم هذا جهادا في سبيل الله.
خامسا:هنالك جهل كبيربالإسلام عند كثير من حملة الشهادات؛ لأنهم لم يتلقوا تعاليم الإسلام من مصادرها الحقيقية، وجُلُّ معلوماتهم عن الإسلام؛ تلقَّوْها من مواقع التواصل الإجتماعي، ومن أشخاص لايعرفون من الإسلام إلااسمه! فالإسلام دين المحبة لا الكراهية، ودين الرحمة لا القسوة، ودين اللين لا التشدد، ودين السلم لا الحرب، ودين التسامح لا التعصب، ودين الاتباع لا الابتداع، ومهما عمل الإنسان إذا لم يتبع رسول الله؛ فإن عمله مردود بدليل قوله تعالى: " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ".
سادسا: إن هذه الظاهرة توجب تضافر الجهود التربوية والإعلامية والدعوية والأسرية والثقافية والرسمية؛ لإنقاذ أبنائنا وبناتنا من الوقوع في الهاوية، خاصة وأن الظاهرة في تَمَدُّد ملحوظ، وتستقطب شرائح مهمة لم تقف عند الطلاب بل دخلها أطباء وصيادلة، وشرائح أخرى مهمة في المجتمع.
سابعا: ظاهرة الحروب والتطرف وعدم الإستقرار في العالم الإسلامي سببها الحكم والصراع على السلطة، لذلك لا أمل في الإصلاح مالم نُصلح النظام السياسي بحيث تكون شرعية الحكم قائمة على اختيار الشعوب والشورى، مع الالتزام بالتداول السلمي للسلطة، وتحديد مدة زمنية للحاكم مع خضوعه للمراقبة التشريعية والسياسية؛ فكيف نطلب من أبنائنا ألايتطرفوا وقد وُلِدوا في ظل نظام يَحكمه تنظيم واحد وشخص واحد إلى أن نبتت شواربهم وطالت لحاهم وهم في ظل حكم الحزب الواحد والرئيس الواحد.
إن العالم الحُر عالج هذه الأزمة باحترام الدستور، الذي ينص على شرعية الحكم بالانتخاب الحر النزية، وألا يزيد الحاكم عن دورتين، وأن يقوم البرلمان المنتخب بدوره الرقابي وقراراته ملزمة، مع استقلال القضاء وحرية الصحافة والإعلام، وحق الجميع في الحصول على المعلومات، لذلك حقق الإستقرار في تلك البلدان، مع تقدم  التنمية وتطويرها، بينما نحن غارقون في الحروب، والصراع على السلطة، والنزاع العبثي الوهمي. علينا أن نعمل جميعا على تجاوز هذه الحالة المدمرة.
أحبابي في الله:
تقيم تكية يُمّة رحمة إفطارا غدا السبت بدار هيئة شؤون الأنصار بمناسة ذكري بدر وأبا وعقب الإفطار ستكون هنالك محاضرة بهذه المناسبة والدعوة عامة.
وتكية يُمّة رحمة إحدى التكايا الخمسة التي كونتها هيئة شؤون الأنصار في رمضان الماضي بمناسبة الاحتفال بالسابع عشر من رمضان بمسجد خليفة المهدي، هذا النهج حفز القائمين على أمر التكية بنتظيم هذا الإفطار بجهودهم الذاتية وعلى رأسهم الحبيب آدم البديري نسأل الله أن يبارك في جهودهم ويتقبل أعمالهم الصالحة، وندعو بقية التكايا وجميع الأحباب لإحياء هذا الأسلوب التكافلي المتميز، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
اللهم ارحمنا فأنت بنا راحم ولاتعذبنا فإنك علينا قادر والطف بنا فيما جرت به المقادير.
قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.


[1] الآثار الكاملة ، المجلد الثاني ص21- 22

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق