الخطبة التي ألقاها الحبيب علي أحمد يوسف عضو أمانة الدعوة والإرشاد بمسجد الهجرة ود نوباوي
الجمعة 28/8/2015م
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى : ( فلعلك تارك بعض ما يُوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل )
وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز:
تميزت الأمة الإسلامية على غيرها من الأمم بأنها أمة أساسها قائم على الإخاء والمحبة والسلام، وبعيدة عن التآمر والأنانية والغدر، نقيض ما كانت عليه الأمم الأخرى، التي جعلت أساس بنائها قائماً على المنفعة والآثرة والأنانية والإستبداد والتعالي. فالخير عند الأمم الأخرى، ما كان خيراً لك ولو كان شراً على جميع الناس والشر عندهم ما كان شراً عليك ولو كان خيراً لجميع الناس. ولقد نتج عن قاعدة المنفعة عند غير المسلمين، أساسان قبيحان جعلتا حياة البشرية مضطربة. هما التعصب والغلبة أولهما الغلبة والإنتصار للنفس وأخذ حقوق الآخرين بالباطل، وذلك عن طريق الجدل والمغالطة وقوة الحجة والقهر.
هذا المبدأ حاربه الإسلام بما غرسه في نفوس معتنقيه من الرقابة الذاتية، وهو أن ما يحققه الإنسان من منفعة إذا لم تكن قائماً على الحق فإنه سيكون وبالاً عليه. قال صلى الله عليه وسلم مبيناً هذا المبدأ. إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي. ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من أخيه وإنما أحكم وفق ما أسمع فمن حكمت له بشيء وهو في الحقيقة ليست له إنما هي هو قطعة من نار فمن أخذ شبراً من أرض بغير حق طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين. وبهذا التوجيه الحكيم، استطاع المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يغير نظرة الناس، لتحقيق المنافع. فلم تعد المنفعة هي الحاكمة لعلائق الناس، وإنما هناك عنصر جديد يحكم تحقيق هذه المنفعة وهو الوازع الديني. الرقيب الداخلي، الذي يجعل الإنسان قبل أن يقدم على فعل من الأفعال. يقارن بين ما يحققه من مكسب أهو حق أم باطل، وهل يثاب على فعله أم يعاقب عليه ويضع أمامه ، قول الله تعالى: ( يا بُني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكُن في صخر أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير )
وقول الحكيم:
إذا خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت
ولكــــــــــــــــــــــــن قــــــــل علـــــى رقيـــــب
ولا تحسبن الله يغفل عن ما مضى
ولا أن ما يخفى عليه يغيب
الأساس الثاني: العصبية.
إن العصبية هو السير على هوى الجماعة أي جماعة كانت. قبيلة أو حزباً أو غيرها من غير اعتبار لمسألة الخير والشر والحق والباطل والصواب والخطأ.
قال أحد الشعراء معبراً عن السير على هوى الجماعة دون معرفة الخطأ أو الصواب.
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
وقال آخر:
وإحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا
وذم أحدهم الذين يزنون الأمور لتبين الخطأ من الصواب. والحق من الباطل. فلا يقدمون على فعل شيء حتى يعرفو حكمه لكن قومي وإن كانوا ذوى عدد ليسوا من الشر في شئي وإن هانا.
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا.
ولقد علق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قائل الأبيات بقوله: نعم القوم قومك فوضع الإسلام معياراً جديداً وقلب هذه المفاهيم. بقوله صلى الله عليه وسلم أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً . فقالوا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً. قال بمنعه عن ظلمه وقال: لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسن وإن أساءوا أساء. ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فاجتنبوا إساءتهم.
لقد وضع الإسلام بهذا الإسلوب الحسن معايير حلت محل المعايير الإنسانية القديمة. القائمة على الإنانية والمصحلة الشخصية والتعصب للجماعة والإستبداد بالرأي والتعالي على الآخرين والتناصر بالباطل إلى الوقوف مع الحق وإن كان مخالفاً لهوى النفس. وجعل التآخي بين الناس قال تعالى (يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). وقال صلى الله عليه وسلم : (كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) وعن علاقة المسلمين بعضهم بعضا قال الحق (إنما المؤمنون إخوة). وقا ل: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخزله ولا يكذبه بحسب أمرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه). وبهذا نشر الإسلام ظلال مبادئه على البشرية . قال آحد الشعراء وهو مسيحي المعتقد محذراً من التعالي على الآخرين مؤكداً وحدة العنصر البشري.
نسى الطين مــــــــــــرة أنـــــــــــه طيـــــن * * فتــــــــــــــــاه تيهـــــــــــــــاً وعربـــــــــــــــــد
وحــــــوى المال جيبه فتباهـــــــــا * * وكسا الخز جسمه فتمرد
يا أخي لا تمل بوجهك عني * * لا أنا فحمة ولا أنت فرقد
فالإنسان مهما علا هو إنسان مخلوق من طين. والله سبحانه وتعالى أكد ذلك في كثير من الآيات. بأن أصل الإنسان هو الطين سورة ( لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ** ثم جعلناه نطفة في قرار مكين)
وأنه جعل البشر شعوباً وقبائل لا ليتفاضل بعضهم على بعض. وإنما الحكمة من ذلك تسهيل التعارف. كما جاء الآية: (يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). ولجعل الإخاء بين الناس حقيقة معاشة وضع الإسلام مبادئ لتحقيق ذلك. فجعل التناصح بين المسلمين واجب قال صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم ).
ووضع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالي( كنتم خير أُمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتُومنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)
وقال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). فالمؤمن لا يكون إلا واحداً من ثلاثة إما مغيراً بيده وهو أفضلهم. أو مغيراً باللسان أو مغيراً بالقلب. والتغيير بالقلب له أسباب عدة منها عدم المقدرة على التغيير باليد أو عدم الاستجابة وربما أدى تغيير المنكر باليد أو اللسان إلى ارتكاب منكر أعظم. ولقد وضع صلى الله عليه وسلم هذه المبادئ ترسيخاً للأخوة بين الناس. فجعل إجابة الداعي ورد السلام ونصرة المظلوم وتشييع الجنائز ويارة المريض وتشميت العاطس من حقوق الناس بعضهم على بعض فالإسلام إذاً لم يكن دين شعارات خاوية وإنما جعل مطابقة القول الفعل من أهم مبادئه . قال تعالى محذراً من مخالفة الأقوال للأفعال قال تعالي ( ضُربت عليهم الذلة أين ما ثُقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباوُوا بغضب من الله وضُربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق بما عصوا وكانوا يعتدون ** ليسوا سواء من أهل الكتاب أُمة قائمة يتلون آيات الله آنا الليل وهُم يسجدون ) إنما يهدف إليه الدين الحنيف هو نشر الإخاء بين الناس وإشاعة المحبة والسلام بينهم وتحقيق الطمأنينة والأمان وبسط العدل والشورى والحرية. ونبذ الإكراه وذلك من أجل تمكين الإنسان من العيش في سلام وطمانينة والقيام بواجبه الذي كلفه الله به عبادته جل وعلا إعمار الأرض لينتفع بما فيها من خيرات تحقيقاً لحكمه الله من خلق الإنسان قال تعالى ( وإلى ثمود أًخاهم صالحا قال يا قوم أعبُدُوا الله ما لكُم من أله غيرُهُ هُو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها فاستغفرُوهً ثُم تُوبُوا إليه إن ربّي قريب مُجيب)
إستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على حبيبنا محمد وآله مع التسليم وبعد .
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز:
جاء في الأثر أن حب الأوطان من الإيمان لأن الوطن للإنسان بمثابة الأم يجد فيه الأمن والأمان والدفئ وهو مستقره ومنبت رزقه. لذا قال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم : مخاطباً مكة بعد خروجه منها والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وإنك لأحب بلاد الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني لما خرجت.
إن بلادنا تعيش في أزمة منذ 26 عاماً حيث ظلت البلاد تح حكم هذا النظام الذي مر بمراحل مختلفة وما زال النظام يبحث عن شرعية يستند عليها. وأخيراً راهن النظام على الحوار. ولكن لم يكن مستعداً لدفع مستحقات الحوار. فكل الذي يريده النظام أن يجمع أحزاب هلامية حوله، ويدعي أنه صاحب الأغلبية. ولكن هذه المسرحية الهزيلة لم تنطلي على شعبنا الزكي الذي بالإشارة يفهم. وظلت المعارضة ماضية في نهجها الذي يهدف إلى إعادة الديمقراطية والتي قال عنها الحبيب الإمام الصادق المهدي إنها راجحة وعائدة.
ونتيجة للأزمات التي عاشها البلاد بسبب سياسات النظام، دول الشأن السوداني ، والاتحاد الأفريقي الذي يعني بحل مشاكل القارة وبما له من آليات تبنى العمل لإيجاد حل لمشكلات البلاد. ولكن الجهود التي بذلت كلها لم تؤت أكلها. لأن الاتحاد الأفريقي ظل حاصراً نفسه في الحوار مع النظام وحلفائه. وأخيراً تنبه الاتحاد الأفريقي بأن هناك طرفاً ثانياً عليه الجلوس معه والاستماع إلى رأئه لأنه يمثل الطرف المغيب عن المساهمة في الحل ولأول مرة في بحر هذا الاسبوع التقى مجلس الأمن والسلم الأفريقي بمكونات المعارضة السودانية المختلفة من أحزاب وحركات مسلحة للإدلاء برأيهم وطرح رؤيتهم للمساهمة في حل الأزمة السودانية واستمع لهم وسلموه مقترحاتهم للحل مكتوبة وبهذه الخطوة استطاع الاتحاد الأفريقي وآلياته العاملة في هذا المجال أن يخطو أولى الخطوات الصحيحة حيث ألم بجذور المشكلة وكيفية حلها. إننا نأمل أن يتبع هذه الخطوة خطوات جادة من أجل الوصول لحل مرض للجميع. وذلك يحمل النظام وحلفائه لدفع استحقاقات الحوار الحقيقي المفضي للسلام والاستقرار ومن ثم التنمية.
لقد بددت ثروات البلاد في تأجيج الصراعات والسبب سياسات النظام التي جعلت قلة من المواطنين تستولي على ثروات البلاد وتسخرها لمصالحها الشخصية، وبهذا التصرف حرموا الغالبية من الاستفادة منها وحرموا البلاد من الاستقرار والتنمية مما ولد غبناً كان سبباً في اندلاع الحروب التي جعلت من السودان دولة تسير في مؤخرة الدول في مجال التنمية والاستقرار. إن المعارضة السودانية ظلت ساعية لإيجاد حل مرض لكل الأطراف فكان مؤتمر باريس الذي جمع حملة السلام بالمعارضة المدنية واتخذ خارطة طريق أبى النظام السير عليها والآن مجلس الأمن والسلم الأفريقي يجتمع بالمعارضة المدنية والحاملة للسلاح للسير قدماً في الطريق المخلص للبلاد من حكم الحزب الواحد. والذي انتهى عهده في المنطقتين العربية والأفريقية. فعلى النظام أن يفكر جاهداً في القبول بالآخر حتى تضع الحرب أوزارها في بلادنا والتي أكلتها الحروب لاكثر من عقدين من الزمان. وأصبح إنسان السودان وخاصة في دارفور بين نازح في دول الجوار وبين مقيم في المعسكرات ومخيمات اللاجئين. وهكذا أصبح جيل كامل يفتقد الانتماء الحقيقي لتراب الوطن. أن النظام عليه الدور الأكبر في إعادة رتق النسيج الاجتماعي الذي أصبح أوهن من بيت العنكبوت .
إن بلادنا تمر بمخاط عسير أن لم يتدارك الجميع الأمر فسوف يأتي يوم لا نجد فيه وطننا لذا علينا جمياً العمل من أجل الحفاظ على وطننا بعيداً عن الأجندات الخاصة الضيقة التي وإن حققت المصالح الآنية لكنها بمرور الزمن ستكون وبالاً على أصحابها وعلى الجميع اللهم جنب البلاد الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز:
في إطار النشاط التوعوي لهيئة شئون الأنصار وبالتعاون مع منتدى الوسطية العالمي فرع السودان والمركز القومي للسلام والتنمية بالشعبية بحري قدم الحبيب الأمين العام للهيئة الأمير عبد المحمود ابو محاضرة بعنوان منهج الوسطية بين الغلو والاستلاب في مساء الأربعاء الماضي 26/8/2015م وسط حضور جماهيري كبير وعقب على المحاضرة الاستاذ/ آدم أحمد يوسف نائب الأمين العام وقدم الحضور أسئلة أجاب عليها الأمين العام وذلك في إطار التوعية الجماهيرية بمخاطر الغلو والاستلاب، وستواصل الهيئة نشاطها التوعوي في المجالين الدعوي والفكري حتى ترسخ معاني هذا المنهج، نأمل أن يكون مساهمة منها لإخراج الأمة الإسلامية مما وقعت فيه من مستنقع أقعدها عن دورها المنوط والله نسأل أن تنشط الهيئات والجماعات المماثلة للهيئة في تقديم الإسلام بصورة تبرئه مما لحق من تشويه الصقه به المتشددون والمتنطعون الذين ربطوا بين الإسلام والاستبداد في السلطة وبين الإسلام والإرهاب في المعارضة وسيتواصل هذا النشاط داخل السودان وخارجه.
اللهم أجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق